يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
الجغرافيا وحدها لا تصنع المجد، إنما تصنعه الشخصية التي تعرف كيف تتكلم باسم المكان، لا أن تختبئ خلفه، الجغرافيا ليست قدرا ساكنا، وإن توهّمها البعض كذلك، إنها مادة خام، تتحول إلى قيمة أو عبء وفقا لما تفعله بها الأمم.
والجغرافيا لا تصنع المعجزات وحدها، بل تحتاج إلى شخصية تعرف كيف تطوّعها، تلاعبها كالعازف على آلة قديمة، تُخرج من تضاريسها ألحانا جديدة، وتمنح صمتها نُطقا يليق بتاريخ ومصير.
وهنا.. تتقدم عُمان كمثال نادر على هذا التفاعل العميق بين الشخصية الوطنية والجغرافيا القاسية. دولة تمتد كوشاح بين البحر والجبل، تحرس بابين من أخطر أبواب العالم: مضيق هرمز وبحر العرب.. لكنها، بدلا من أن تسكن في ظلّ موقعها، قرّرت أن تنبض به.. لم تُغوِها صراعات الممرات، ولا فتنة الجغرافيا السهلة.. بل اختارت طريقا مختلفا: أن تُروّض الجغرافيا لا أن تُرهب بها، وأن تصوغ من موقعها دورا، لا فقط مكسبا.. وهكذا، تحولت عُمان من نقطة على الخريطة إلى عقدة توازن في الإقليم، وممرٍ آمن ليس فقط للسفن، بل للأفكار والمبادرات والوساطات.
في السياحة، لم تركض عُمان وراء الأبراج الزجاجية ولا انساقت خلف تسويق الترف المستورد، بل قرأت جغرافيتها جيدا: بحرٌ عذري، صحراء تنطق بالشعر، جبال تحرس الذاكرة، وقرىً لا تزال تروي الماء كما تروي الحكايات. فجاءت تجربتها السياحية هادئة كأصالتها، راقية كتواضعها، ممتدة كصمتها الحكيم، وقد نجحت في جذب الباحثين عن العمق لا الزيف، عن التجربة لا الصورة، عن اللقاء لا العرض. أما في الاقتصاد، فقد عرفت عُمان أن الجغرافيا وحدها لا تطعم، لكنها تهدي الطريق، فعززت موقعها بقرارات استراتيجية، طورت الموانئ، ففتحت لنفسها أبوابا على العالم من دون صخب، ميناء الدقم، على سبيل المثال، ليس مجرد مشروع بحري، بل هو عنوان على طموح دولة اختارت أن تبني موقعها من الداخل، لا أن تبيعه للخارج.
لقد أحسنت عُمان فهم معادلة “الشخصية والجغرافيا”، فالشخصية العُمانية، بتوازنها، وصبرها، وهدوئها الذي لا يغفل، استطاعت أن تتعايش مع التضاريس، وأن توظّفها لا أن تشتكيها، ولأنها فعلت، فقد تحقّق لها ما لم يتحقّق لغيرها من أصحاب المواقع المبهرة، والخطط المستعجلة.. إن عُمان اليوم ليست مجرد دولة ذات موقع استراتيجي، بل هي دولة ذات شخصية استثنائية عرفت كيف تروّض موقعها، وكيف تجعل من الجغرافيا شريكة في مشروعها الوطني، لا مجرد خلفية لصور الترويج، في زمن تتسابق فيه الدول على صناعة الأضواء، اختارت عُمان أن تصنع المعنى.
وفي عالمٍ يُختزل فيه الموقع في الطمع، اختارت أن يكون الموقع منصّة للحكمة، وهنا يكمن سرّها. لم تكن عُمان ابنة موقعها فحسب، بل كانت سيدة قرارها، وصاحبة رؤيتها، وحين تلتقي الجغرافيا بشخصية تعرف ماذا تريد، لا تبقى الأرض مجرد تضاريس، بل تتحوّل إلى خطاب، خطاب هادئ، ثابت، يشبه عُمان تماما، لا يعلو صوته، لكنه يصل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة