يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
“المنجور يدور، والساقية يجري الماء فيها”، ليست مجرد صورة من ذاكرة الريف، بل تشبيه حيّ لنهضة عُمانية تتجدّد بإصرار، وتُغذى بالإرادة والرؤية.. إنها حركة متواصلة لا تنكسر رغم العواصف، ولا تتوقف رغم العقبات، بل تواصل جريانها نحو مستقبل أكثر إشراقًا، بقيادةٍ رشيدة وشعبٍ صبور ومؤمن بدوره.
منذ تسلم جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله، مقاليد الحكم، أعيد بعث روح النهضة في شكلها المتجدد، فأكد في أول خطاب له: “سنعمل بإذن الله على النهوض بعُمان لمكانتها المستحقة بين الأمم من خلال تحديث الجهاز الإداري للدولة وتطوير الاقتصاد الوطني”.
ومن هنا بدأت عجلة التغيير تدور بخطى واثقة، حيث انطلقت مشاريع إعادة هيكلة الدولة، وتحديث التشريعات، وتحفيز الاستثمار، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط وحده. وقد شهد الاقتصاد العُماني مؤخرا معدلات نمو إيجابية، مدفوعة بارتفاع الإيرادات غير النفطية، وزيادة الصادرات، وتعزيز بيئة الأعمال من خلال الرؤية الوطنية “عُمان 2040” التي تُعد خارطة طريق جريئة وواقعية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والاستدامة.. كل هذا تم بإدارة حكيمة وواقعية تُوازن بين الطموح والإمكان، بين التطلع والاعتدال.
ومع تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية، أثبتت القيادة العُمانية أنها لا تسير خلف الصخب، بل ترسم طريقها بهدوء استراتيجي، وقدرة فريدة على قراءة اللحظة وتوجيهها لصالح الوطن.. وكما قال جلالته في أحد خطاباته: “نُدرك أن المرحلة المقبلة تتطلب منا جميعاً العمل بروحٍ وطنية عالية، وتكامل في الأدوار، وتعاون في المسؤوليات”.. وهنا تتجلى دعوة مباشرة للشباب ليكونوا شركاء لا متفرجين، بنّائين لا منتقدين فقط.
المنجور هنا لم يتوقف عن الدوران، بل تطورت آلياته، أما الساقية فزاد ماؤها، وانتعشت ضفافها.. فالمزارع أصبح رائد أعمال، والمعلم أصبح مخططا تربويا، والموظف بات يفكر كمبتكر، كل ذلك بروح عُمانية لا تعرف اليأس.. بين دوران المنجور وبصيرة الأجيال، وزمن تتغير فيه الموازين بسرعة الضوء، وتتنازع فيه الأمم معارك الهوية والتنمية والبقاء.. تقف عُمان بثباتها الهادئ كمنجور يدور في انسجام لا يُكسره ضجيج الخارج.. لم تكن النهضة لحظة عابرة ولا مشروعا من ورق، بل روحا تتنفس في كل منجز، ووجدانا يسكن في أعماق كل عماني يؤمن بأن الغد لا يُمنح، بل يُصنع.
أيها الشباب، إن المنغصات جزء من الطريق، كما أن مقاومة التيار تُخبرنا أننا نسير في اتجاه يستحق.
لا تنظروا للنهضة كحكاية مضت، بل كقصة تُكتب بكم، وتتجدد في عقولكم، وتتوهج في عزائمكم.. كل تحدٍّ هو فرصة، وكل تباطؤ مؤقت هو لحظة تأمل تُسبق بقفزة.. إن الساقية لا تجف، مادامت الأيدي ممدودة، والقلوب مؤمنة، والعقول مشتعلة بالأمل والمعرفة.. فكونوا أنتم المنجور الجديد، يدور بالحكمة، ويجري بالماء النقي لمستقبل تزهر فيه عُمان كما لم تزهر من قبل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة