مقال| على مرمى بحر مرمرة

يكتبه: حمدان البادي|  

كنت في فندق يطل على بحر مرمرة في إسطنبول، واحد من مئات الفنادق المتاخمة لشارع تقسيم، الشارع الذي لا يعرفُ السكون، حيثُ تتدفّق الحياةُ كالنهر، وتزدان السماء بسحب رمادية داكنة تمنح للمكان سحره وتأثيره.

ولأني في إسطنبول وحتى أظهرَ في “السيلفي” بشكلٍ لائقٍ يشبه ابطال المسلسلات التركية، تأنقت بمفهومي للأناقة، كان عليّ أن أهتمَّ بالتفاصيل، خاصّةً أنّ نفسيتي متقلّبةٌ كالطقس، ومزاجي لا يُمكنُ التنبّؤ بما يُناسبه، حلقت اللحية والشنب “زيرو” فبرزت سمرةُ وجهي كخريطة تروي أسفارا قديمة، واخترتُ قميصا أبيض رسميا مع بنطلون أسود، من تلك القطع التي تُرافق البدلةَ في المناسبات الرسمية. ثمّ وضعت الجلَّ على شعري، وفرّقته على الجانب، لكن ملامحي لم تشبه ملامح مهند ولا مماتي ولا غيرهم من أبطال المسلسلات التركية، بل اصبحت تشبهُ ملامح أولئك العمّال القادمين من الهند، الذين نحتتِ الأيامُ والشقاءُ ملامحَها على وجوههم الشاحبة، وأجسادهم التي أنهكتها الغُربَة.

على بوفيه المطعم حرصت أن أبدو أنيقاً حتى في اختياري لقائمة الطعام التي سأملأ بها بطني وقد اتخذت طاولة مطلّة على المنحدرات حيث يبدو مضيق البوسفور مزدحما في هذه اللحظة عبر سفن الشحن العملاقة التي تغادره والقادمة عبره، وكأن طيور النوارس تحرسها، وفي الضفة المقابلة ما يعرف بالجانب الأوربي تبدو البيوت وكأنها تستفيق للتو من غفوه في يوم شتوي، وأنا الجالس بلا رفقه، بعينين توزعان نظرهم على المنحدرات، وعلى المسافرين الجالسين حولي، وأسرح في روايات أليف شافاك التي حركت أغلب شخوصها في هذه المساحة خاصة في رواية لقيط إسطنبول ورواية الفتى المتيم والفتى المعلم. 

في طريقي إلى طاولة البوفيه استوقفتني امرأة جميلة تجلس على طاولة ليست ببعيدة عن الطاولة التي كنت اجلس عليها، وقد ملأت الكرسي وهي في كامل أناقتها التي تدل على جنسيتها الخليجية، ولأكون أكثر دقة انا من زاغت عيونه عن طريق البوفيه لتسقط عليها، وقد يبدو انها تعمدت ان تستوقفني بعد ان مسحت بقطعة مناديل على فمها لتطلب منى بلغة إنجليزيه : “سبون، بليز.” وقد يكون تهيأ لي ذلك، لذا وجدت نفسي لا إراديا ألتفت إلى أقرب طاولة واسحب منها ملعقة وشوكة قد لفت بقطعة قماش واضعها على طاولتها كما يفعل نادل المطعم، ومن ثم واصلت طريقي إلى ركن القهوة بعد ان منحتها ابتسامة مخفيه، وأنا أحملُ في رأسي سؤالان: أتراها ظنّتني نادلا؟. أم أنّها ألقَتْ بالطُعم لتصطادَ غريبا مثلي؟.

قرّرت أن أعود إليها، حاملا فنجان القهوة بيدين ترتعشان، فأنا السمكة التي ابتلعت الطعم ويجب أن أهدأ من الرجفة واستجيب لصيادي، لكن الوقت كان قد فات، حينَ وجدت المكان فارغا، إلا من صحن به بقايا طعام، و “استكانة” شاي فارغة عليها أحمر شفاه، أما هي فقد لمحتها تغادر على عجل وكأن عيناها تتجنّبان وجهي، وخدّها يُخفي احمراراً خفيفا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*