مقال| خليجٌ بعدة نوافذ.. وحكاية لا تنتهي

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً حين فتحت النافذة على ضوء الخليج.. لم أكن في مدينة واحدة، بل في ست مدنٍ دفعةً واحدة.. في عُمان، كنت أسمع خرير الوادي في بهلا، وفي السعودية، كنت أرى الشمس ترتفع خلف كثبان العلا.. دبي لم تكن بعيدة، فهي تلوّح لي من أبراجها، وقطر تهمس لي من متاحفها، والبحرين تضحك من مقاهيها الصغيرة، والكويت، كعادتها، تحفظ الأسرار في صدرها.

انا الخليجي.. قلت في نفسي: هل يُعقل أن أحتاج إلى رحلات، وحقائب سفر.. خارج هذا الجمال الموزع على الخليج؟.. لماذا لا أستقل سيارة تربط الجبل بالبحر، والصحراء بالزجاج، والتاريخ بالحاضر؟.. لماذا لا تكون لي رحلة واحدة.. ووجهاتٌ بعدد النوافذ؟.. خليج يتكلم أكثر من لهجة جمال، كل دولة فيه تحكي حكاية مختلفة، لكنها تُكمل الرواية ذاتها.. في عُمان، البحر يتكئ على الجبل، والماضي يسير جنبا إلى جنب مع الحاضر.. هناك، تسكن البساطة، وتتنفس الروح.. في السعودية، الأرض عريضة كالتاريخ، تتعدد وجوهها من جدة القديمة إلى الرياض العصرية، ومن نيوم التي تحاكي الغد، إلى مدائن صالح التي تنطق بآيات الزمن..

الإمارات تشبه قصيدةً حديثة، فيها ناطحات، ونوافير راقصة، وجزرٌ مصنوعة بإتقان الحُلم.. قطر هادئة كلوحة زيتية، أنيقة في متاحفها، فاخرة في أسواقها، أصيلة في تفاصيلها.. البحرين جزيرة تُحب أن تستقبلك كصديق قديم، لا كسائح عابر.. أما الكويت، فهي الذاكرة الخليجية التي تحفظ الشعر، والفن، والميناء.

نعم.. السياحة البينية ليست فكرة.. بل رواية قيد النشر.. تخيل أنك تسافر بخارطة اسمها “نسيم الخليج”، تبدأ رحلتك في جبال “الجبل الأخضر”، تنزل إلى أسواق مسقط، ثم تطير ساعة فقط فتكون في قلب الدرعية، تشرب القهوة على إيقاع المزمار الحجازي، ثم تنتقل إلى دبي في طيرانٍ لا يدوم أكثر من وجبة خفيفة، ومن هناك تمضي إلى قطر لمعرض فن معاصر، وتختم يومك بجلسة على شاطئ البحرين.. تحت قنديل قديم.. لماذا لا نعيش هذه الرواية السياحية؟.. رزنامة موحدة للمهرجانات والأسواق.. رزم سياحية متصلة تسوّق لكل الدول كوِجهة واحدة.. رحلات تربط الطبيعة بالمدينة، والتراث بالتكنولوجيا.

في الختام.. الخليج ليس وجهة واحدة، بل خريطة مشاعر.. فيه من الدفء ما يغني عن شتاء أوروبا، ومن الأصالة ما يُنافس تاريخ الشام، ومن الترفيه ما يُغني عن صخب آسيا.. اننا لا نبحث فقط عن مكان نراه، بل عن مكان نشعر به.. والخليج، حين يتكامل، يُصبح وجهة تُرى.. وتُحَب.. وتُعاد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*