يكتبه: آمنه بنت محمد البلوشية|
وَكانَ حُبٌّ وَوَجدٌ دامَ فَاِتَّفَقا
لا شَيءَ يَنفَعُني مِن دونِ رُؤيَتَها
” الاعشى “
بعد مشاهدتي للمسلسل السعودي شارع الأعشى، لاحظتُ أن التجربة الدرامية في السعودية أصبحت أكثر نضجًا وجمالًا، حيث تتجلى فيها عناصر القوة الفنية بأسلوب متنوع ومغاير، مما منحها طابعًا متجددًا. يتميز الوسط الثقافي السعودي بسرد قصصي وتاريخي يوثق الحارات التراثية والقديمة، في حكاياتٍ قد تتشابه مع المجتمعات الخليجية، لكنها تمتد عبر فترتي ما قبل وبعد السبعينات.

السرد في الروايات والقصص السعودية ينثر شاعريةً خاصة، ويتجلى بروح مرهفة، ليشكل مغامرة حقيقية في فن الكتابة الإبداعية. في رواية غراميات شارع الأعشى، التي صدرت عام 2013 للكاتبة بدرية البشر، والمُقتبس منها المسلسل، نجد تكاملًا بين النص الأدبي والنص الفني في وحدة متماسكة تتغلغل إلى أعماق النفس البشرية، في تلاحم أشبه بتلاحم الروح والجسد. يعود لقب “شارع الأعشى” إلى الشاعر ميمون بن قيس بن جندل، المُلقب ” بالأعشى” لضعف بصره، حيث تعني الكلمة في اللغة من لا يرى جيدًا ليلًا.
أما الشخصيات الفنية في شارع الأعشى، فمن وجهة نظري، جميعها شخصيات رئيسية، إذ تمتلك كل شخصية حكايتها الخاصة وتأثيرها الذي يتشكل وفقًا لظروف الحي الشعبي. برعت الكاتبة في الجمع بين السرد والوصف الدقيق، مدعّما بلمسات توثيقية أتاحت استعراض التفاصيل بأسلوب فني شاعري، مما جعل الرواية توثيقا حيًّا لمرحلة اجتماعية وتحولات مجتمعية بارزة. وهذا يعيدني إلى ذكرياتي الشخصية، حيث شهدتُ في حارتنا ظهور أول تلفزيون، ومشاهدتنا لمسلسل بيت صغير في البراري عام 1974، ثم وصول التلفزيون إلى منزلنا، حيث كانت مسرحية شاهد ما شافش حاجة (1976) تُعاد يوميا.
أضفى استخدام اللهجة النجدية على المسلسل نكهة سعودية أصيلة، إلى جانب الديكور الذي عكس تفاصيل الحياة في السطوح، الحارات، والأسواق، بفضل جهود فريق العمل، ومنهم الأستاذ خالد العمر، مدير إدارة التراث الثقافي غير المادي، الذي أضفى لمساته الحسية للاهتمام بالتفاصيل. كذلك، جاءت تنقلات الكاميرا بين أرجاء البيوت، داخلها وخارجها، بدهشة وشاعرية، مسلطةً الضوء على التاريخ والتراث، وهما عنصران جوهريان في الثقافة السعودية. كل هذه العوامل ساهمت في إبراز تفاصيل جميلة واستثمار مواهب الشباب، حيث تألقوا في أداء أدوارهم بإحساس صادق، بعيدًا عن التصنع والتكلف.
تناول شارع الأعشى أبعادا دينية، اجتماعية، إنسانية، وثقافية، متطرقا إلى مفهوم القبيلة بأسلوب سلس، دون أن يخل بالشاعرية التي ميزت العمل. وأبدعت الكاتبة منال العويبيل في الحفاظ على هذا التوازن أثناء إعادة كتابة السيناريو، خاصةً في قصة زواج سعد والجازي، الفتاة البدوية التي ارتقت بمكانتها الاجتماعية بعد انتقالها إلى شارع الأعشى.
أبرز المسلسل قيمة السطوح كفضاء اجتماعي، حيث كان وسيلة للتواصل بين الجيران وتبادل الأخبار:
“شفته بلوحي فوق السطوحي، يا سيدي عقلي وروحي.”
لقد شكلت السطوح في المجتمعات الخليجية قديمًا ملاذًا للترفيه، خاصة للفتيات، وكانت أيضًا تُستخدم لتجفيف الملابس والمنتجات الغذائية، كما هو الحال في سلطنة عُمان عند تجفيف الليمون. وحتى الأطفال كانوا يستغلونها لتجفيف ألعابهم الطينية بعد المطر.
على المستوى الفني، اعتمد المسلسل أسلوب المعادل الموضوعي بلمسات حسية مؤثرة، حيث تجلت لغة الإيحاء من خلال زوايا التصوير ونظرات العيون، مما أضفى عمقًا بصريا وعاطفيا على المشاهد. في المقابل، اعتمدت الكاتبة بدرية البشر في الرواية على المعادل الموضوعي بصياغة مباشرة وصريحة، موثقةً التحولات الاجتماعية، الثقافية، الدينية، والسياسية بلغة واضحة يفهمها كل من عايش تلك الحقبة.
شكّل دفتر مذكرات عزيزة نقطة محورية في الأحداث، حيث كانت شخصيتها نابضة بالحياة، وأضفت بأسلوبها روحًا كوميدية على العمل، خاصة حين اعترفت لصديقاتها بأنها سجلت تفاصيل عن حياتهن في دفترها. ردة فعلهن الطريفة، وخوفهن من وقوع الدفتر في أيدي إخوانهن، حملت مشاعر تلقائية زادها السيناريو بريقا. وقد أبدعت الكاتبة منال العويبيل في كتابة هذا المشهد، كما جسّده الإخراج بتركيز دقيق على حركة عزيزة، مما جعل المشاهد مترقبا للحدث بأسلوب بصري جذاب، أبرز قوة المرأة وشوقها للحرية.
من الشخصيات المؤثرة في الرواية سعد، الذي كان محبا في البداية ثم صار قاسيا، وكأنه يبحث عن نفسه تحت تأثير الظروف المحيطة. وفي المسلسل، اختار سعد الهروب من واقعه بالانضمام إلى الجماعة، ليجد نفسه في نهاية المطاف مشاركا في حادثة احتلال الحرم المكي عام 1979.
الهروب، إذن، كان فكرةً محوريةً في العمل، ليس فقط من خلال سعد، بل أيضًا عبر شخصيات أخرى مثل وضحى، الفتاة البدوية العصامية التي تحولت إلى تاجرة في سوق النساء، وعطوة، التي تمردت على بيئتها بارتداء دشداشة رجالية والعيش في شارع الأعشى. وهناك أيضا مزنة، الشخصية الواقعية، التي رغم انكسارها الداخلي بسبب غياب الأب، كانت تشجع أختها الجازي على العودة إلى زوجها، رغم إدراكها لإهماله لها. وهناك أيضًا عواطف، الفتاة العفوية والحنونة، التي عاشت قصة حب، لكنها لم تخرج عن رأي أهلها، فاختارت الهروب من المكان ومن ذاكرتها القديمة بالزواج من راشد.
“وتركتُ سجادةً معلقةً على جدار السطح الخارجي…”
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة