يكتبه: حمدان البادي|
ها أنا أعود إلى القاهرة، المدينة التي أعرفها ولا أعرفها، المدينة التي أدهشتني منذ أكثر من 25 عاما في زيارتي الأولى، لأكتشف في كل زيارة أنها تقدم لي وجها جديدا، وكأنني أزورها للمرة الأولى.
لذا حرصت في هذه الزيارة أن أتتبع خطى ذلك المراهق الذي كنتُه في بداية العشرينيات من عمري، قبل ربع قرن. يومها كنتُ مسافرا يجهل تفاصيل المكان، فأسلمتُ نفسي لصديق ادّعى الخبرة، فقادني إلى تجربة مليئة بالمحاذير والتناقضات.
كان يقضي الرحلة محدثا إياي عن المخاطر قبل أن يتحدث عن الجمال، يسرد الأسعار قبل أن يسرد الحكايات، حتى بات يحذّرني من كوب شاي خشية أن يكون قد دُسّ فيه منوّم، أو من عصير ربما خُلط بالخمر. كل ما كنت أعرفه عن القاهرة كان معلومات سطحية غير منظمة، والكثير من التفاصيل التي نشأت عليها عن عالم الفن والسينما، مما كانت تتيحه لنا قناة التلفزيون التي نستقبل بثها في القرية.
كنا نتابع أخبار الفنانات وأعمالهن عبر ما يُنشر في مجلة “زهرة الخليج”، بالإضافة إلى الرياضة والشباب. لذا، لم تكن القاهرة يوما ضمن البلدان التي أحلم بزيارتها، فقد كانت أشبه بكتاب مفتوح نعرف شوارعها وتفاصيلها عبر ما تشكل في وعينا من خلال المعلمين، ولاحقا عبر الكتب والروايات والمسلسلات والأفلام.
اليوم، وبالرغم من عدم توقف زياراتي للقاهرة إلا في الخمس سنوات الأخيرة بسبب القيود التي فرضتها جائحة كورونا في السنتين الأولى، وانشغالاتي بعد ذلك، أجد نفسي أرتاد أماكن كانت يوما ما خارج نطاق احتمالاتي.
اكتشفت أن مياها كثيرة جرت عبر النيل وغيرت الكثير من معالم المدينة وهويتها. ومع ذلك، مصر التي زرتها لا تزال محتفظة بروحها ووهجها.
اعود إلى القاهرة، وقد اختلفت مفاهيمي عن السفر والحياة والبلاد. عدت وقد نما وعيي، واتسعت مداركي، وزادت حصيلتي المعرفية، وقدرتي على قول “لا” في وجه من يريد أن يقيد حريتي أو يقودني إلى مسار غير المسار الذي أبتغيه.
عدت إلى الوجهة وقد تحررت من الأفكار التي تم تعبئتها في رأسي أثناء زياراتي الأولى، حين كنت في بداية تشكّل وعيي عن السفر.
في تلك الأيام، كنت أخطو خطواتي الأولى باتجاه المطار وأنا أتلقى كل شيء وفقا لمفهوم وتجارب من سبقوني، أو وفقا لمفهوم صاحبي في السفر الذي كان يحرص على منحي تجربة سفر بمقاييسه ووعيه، بينما كان كل ما يعنيني في تلك الفترة هو السفر بلا خيارات أو جدول مُعد مسبقا.
الآن، أرى القاهرة كما لم اراها من قبل ، حيث يكمن الجمال في التفاصيل الصغيرة، في حياة الناس وحكاياتهم، الحكايات التي أسمعها من أفواه المصريين وانا في التاكسي والمقهى، أو اثناء تجوالي في شوارعها بلا خريطة، القاهرة هي المدينة التي تمنحني في كل زيارة تجربة مختلفة تعيد تشكيل فهمي للحياة، لهذا أحب القاهرة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة