مقال| أدب الرحلات عند محمد الحارثي 

يكتبه: حمدان البادي

 أدب الرحلات من المواضيع التي يحفل بها معرض مسقط الدولي للكتاب، المعرض الذي يحوّل مسقط، خلال أيامه، إلى وجهة سياحية يشد العمانيون إليها رحالهم للاطلاع واقتناء ما يناسبهم من شتى المعارف والعلوم التي جاءت من مختلف بلدان العالم عبر تشكيلة منوعة يجدون فيها ضالتهم وقد تم تعزيزها بمجموعة من الأنشطة الثقافية والفكرية لتجعل من معرض الكتاب كرنفالا احتفاليا يستحق أن يختفى به. 

ومنذ القدم وعُمان ترد في كتب الرحالة، والعمانيين يكتبون عن رحلاتهم إلى بلدان العالم، ولعل الشاعر الراحل محمد الحارثي من الذين تركوا أثرا في السنوات الأخيرة على المستوى المحلي في كتب عين وجناح وفي محيط كتمندو وفلفل أزرق، لأنه يكتب مدفوعا بهوس الترحال والكتابة عن تلك التجارب فعلى سبيل المثال “قام الحارثي بخمس زيارات للنيبال وفي كل رحلة كان يقضى أشهرا وانتظر عشر سنوات ليخرج برائعة محيط كتمندو لأنه يريد أن يكتب شيئا مختلفا لا يمكن العثور عليه في محرك “جوجل”، ولأن تأليف كتاب يستحق كل هذا العناء، كما قال في حواره مع الكاتب سعيد الهاشمي والمنشور في كتاب “حياتي قصيدة وددت لو أكتبها “،   فقد أكد الحارثي، “إن أدبية النص أهم بكثير من سرد مشاهدات رحلة ما بسذاجة مبتدئ، حيث لم يعد متاحا في هذا العصر، أنطولوجيا ونوستالجيا ذلك الفضاء المسحور الذي أتيح لابن جبير وابن بطوطة وابن فضلان أو حتى أنيس منصور للكتابة بشغف الرحالة عن أمكنة زاروها لترتد إلينا أدب رحلات، تغيرت الأحوال، فلم يعد مدهشا أن تكتب عن أي مكان لأن محرك جوجل Google للبحث سيكون قد سبقك إليه صورة ووصفا!.

    الرحلة بالنسبة للحارثي فضاء زمكاني، يعبر فيه عن روحه ومزاجه، كما قال، وهذا ما ظهر في “محيط كتمندو الذي كان أقرب للرواية والذي لم يلجأ فيه للتخيل كي يسعفه من فقر الواقع الذي لم يكن وصفه على الإطلاق،” بل لصيرورة الحدث “لأنه الدقيق- الذي أصنع منه خبز الكتاب”. 

 وصف الحارثي، الذي قضى جل حياته مترحلا، الرحلات التي لم يكتب عنها بأنها “رحلات حمل كاذب” وله رأيه في بعض الإصدارات التي تصنف تحت هذا السياق، حيث قال “لم أنتهج الطريق السهل الذي اتبعه شعراء وكتاب لهم محاولاتهم في أدب الرحلة، لكنهم يكتبون غالباً عن رحلات إلى بلدان دعوا فيها إلى مهرجانات شعرية أو ثقافية أقاموا فيها بالكاد عشرة أيام، ليضموا مقالاتهم الصحفية عن هذه وتلك البلاد في كتاب يُصنفه ناشرهم “أدب رحلات” ، ويعزي السبب في ذلك لأن الرحلة بالنسبة له” مسعى يُمكن مقاربته بالكلمات لابتداع وإضافة مُرتقى مضاف لعتبات ابن بطوطة وابن جبير الأندلسي وابن فضلان البغدادي والحسن الوزان أو ليون الأفريقي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*