د. قاسم بن محمد الصالحي|
في أزمنة التوتر الكبرى، لا تتحرك السياسة على إيقاع الخطابات العالية بقدر ما تتحرك على إيقاع الحكمة الهادئة. فحين تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يصبح الإقليم مجرد ساحة صراع بين قوتين، بل يتحول إلى مسرح واسع تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والأمن مع مستقبل الاستقرار العالمي.
فالمنطقة التي تعبرها طرق الطاقة والممرات البحرية الحساسة ليست مجرد حدود سياسية، بل عقدة استراتيجية في بنية النظام الدولي. وكل توتر فيها ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وعلى حركة التجارة، وعلى حسابات القوى الكبرى. ولهذا فإن التصعيد لا يظل شأناً ثنائياً بين طرفين، بل يمتد أثره إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
غير أن التحدي الأكبر في لحظات كهذه لا يكمن فقط في خطر المواجهة، بل في تشتيت الجهود الدبلوماسية. فكثرة المبادرات وتعدد المسارات قد تبدو للوهلة الأولى علامة حيوية سياسية، لكنها في أوقات الأزمات الحادة قد تتحول إلى ضباب يربك الرسائل ويضعف فرص التهدئة. فالدبلوماسية، مثل الخيط الدقيق، تحتاج إلى يد ثابتة ومسار واضح، لا إلى ازدحام المسارات.
من هنا تبرز الحاجة إلى مركزية إقليمية للوساطة، لا بمعنى الاحتكار، بل بمعنى التركيز والتنسيق. فالتاريخ السياسي للمنطقة يبيّن أن الوساطات الأكثر نجاحاً لم تكن تلك التي تحركت تحت ضجيج الإعلام، بل تلك التي عملت بهدوء، وبثقة متراكمة، وبقنوات محددة تنقل الرسائل بوضوح بين العواصم المتقابلة.
وفي لحظات الحافة، تصبح الحكمة السياسية مورداً نادراً. فالمعادلات العسكرية قد تُظهر القوة، لكنها لا تصنع الاستقرار. أما الوساطة المتوازنة، فتفتح نافذة للتهدئة قبل أن تتحول الأزمات إلى وقائع يصعب احتواؤها.
لهذا، فإن الإقليم اليوم بحاجة إلى صوت عقلٍ جامع ينسق الجهد ولا يشتته، ويمنح الدبلوماسية فرصة حقيقية للعمل. ففي زمن العواصف، قد تكون كلمة هادئة في الوقت المناسب أقوى أثراً من كثير من الضجيج.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة