مقال | حين يصبح الأمن هوية وطن

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات وتتصاعد فيه التوترات، تبقى هناك حقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة الأثر: أن الأمن والأمان ليسا مجرد حالة سياسية، بل نعمة حضارية تقوم عليها حياة المجتمعات. فحين يختل هذا التوازن في أي مكان، سرعان ما تتكشف هشاشة الحياة اليومية، ويكتشف الناس أن الاستقرار الذي اعتادوه لم يكن أمراً بديهياً.

التجارب القريبة في الإقليم، وسط التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، تعيد التذكير بأن الحروب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بآثارها النفسية والاجتماعية. فحين يسود القلق، تتراجع الثقة، وتبدأ المجتمعات في فقدان إحساسها الطبيعي بالطمأنينة. وفي مثل هذه اللحظات، يدرك الناس أن أعظم ما يمكن أن تمتلكه الأوطان هو الاستقرار الذي يحفظ كرامة الحياة اليومية.

وسط هذا المشهد المضطرب، تبدو تجربة سلطنة عُمان نموذجاً مختلفاً في الإقليم. فالمجتمع العماني لم يبن استقراره على القوة الصلبة وحدها، بل على منظومة قيم راسخة تشكلت عبر التاريخ: الاعتدال، والتسامح، واحترام التنوع، والقدرة على العيش المشترك. هذه القيم لم تكن مجرد شعارات اجتماعية، بل أصبحت جزءاً من الهوية العمانية التي جعلت الأمن حالة طبيعية في حياة الناس.

كما أن الدبلوماسية العمانية عُرفت بمرونتها وقدرتها على بناء الجسور في الأوقات الصعبة. فنهج الحوار، والابتعاد عن الاستقطابات الحادة، والبحث الدائم عن مساحات التفاهم، لم يكن مجرد خيار سياسي، بل انعكاساً لطبيعة مجتمع يؤمن بأن استقرار الإقليم جزء من استقراره الداخلي.

إن الأمن في جوهره ليس مجرد غياب للصراع، بل حضورٌ لقيم التوازن والعقلانية في إدارة الخلافات. وحين تنجح دولة في ترسيخ هذه المعادلة داخل مجتمعها وفي سياستها الخارجية، فإنها تبني أكثر من مجرد استقرار مرحلي؛ إنها تؤسس ثقافة سلامٍ مستدام.

ولهذا، وبينما تتبدل موازين القوى في العالم، تبقى الحقيقة الأهم أن أعظم إنجاز لأي وطن هو أن يمنح مجتمعه شعوراً دائماً بالأمان، وأن يجعل من السلام المجتمعي جزءاً من هويته الوطنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*