مقال | حين رقص البحر بين عُمان وزنجبار

د. قاسم بن محمد الصالحي |

حين وصل وفد جمعية الصحفيين العُمانية إلى ميناء زنجبار، لم يكن في استقبالهم البحر وحده، ولا الميناء بما يحمله من ذاكرة السفن والمراكب؛ كانت هناك ذاكرة أخرى أكثر دفئاً، خرجت من بين الناس في هيئة إيقاع ورقص. تقدمت فرقة من الفنون الشعبية الزنجبارية، وبدأت رقصة «مساويه»؛ فبدا المشهد، للحظة، كأن التاريخ استعاد صوته بعد أن صمت طويلاً.

في زنجبار لا يحتاج التاريخ إلى متحف كي يُرى. يكفي أن تسمع إيقاع طبل، أو كلمة عربية تتخلل حديثًا بالسواحيلية، أو أن ترى حركة في رقصة شعبية، حتى تشعر أن البحر الذي يفصل عُمان عن الساحل الأفريقي كان، في الحقيقة، طريقاً يصل أكثر مما يفصل.

ذلك هو الوجه الأجمل في الحضور العُماني في شرق أفريقيا: أنه لم يكن تاريخًا من جهة واحدة، بل تلاقحًا ثقافيًا صنعته قرون من التواصل. أخذت زنجبار من عُمان أشياء، وأخذ العُمانيون من أفريقيا أشياء أخرى، ثم أعاد الزمن صياغة الجميع في ثقافة ساحلية جديدة، لا يمكن اختزالها في أصل واحد.

ولعل الموسيقى أكثر الفنون صدقاً في رواية هذه الحكاية؛ لأنها لا تسأل الإيقاع عن جنسيته. ففي «كيدومباكي» وحيوية «البيني» وإيقاعات «كيبَاتي» و«مسوندو»، وفي غيرها من فنون الساحل، نسمع طبقات من الذاكرة الشعبية التي تداخلت فيها المؤثرات الأفريقية والعربية والسواحيلية، حتى أصبح من الصعب أن تضع حداً حاداً بين ما جاء من هنا وما ولد هناك.

وهنا تكمن قيمة الدور الزنجباري العُماني. فقد كانت زنجبار، في مراحلها التاريخية، أكثر من محطة سياسية أو تجارية؛ كانت ورشة حضارية تلتقي فيها اللغات والبحار والسلع والأفكار والعادات. ومنها امتد الأثر إلى ممباسا ولامو وباته وفازا ومالندي، وإلى مدن وقرى الساحل الشرقي الأفريقي، حيث لم تكن السفن تحمل البضائع وحدها، بل كانت تحمل معها أنماط الحياة، والألفاظ، والملابس، والأطعمة، والألحان، وطرائق الاحتفال.

ولذلك فإن الرقصة التي استقبلت الوفد العُماني في الميناء ليست مجرد فقرة فنية أُعدت للضيوف. يمكن النظر إليها كصفحة صغيرة من كتاب كبير؛ كتاب كتبته قرون من العيش المشترك والتبادل الإنساني. وربما لهذا السبب تبدو بعض الألحان مألوفة للأذن العُمانية، حتى وإن خرجت من حنجرة أفريقية؛ فالأذن تعرف أحياناً ما تعجز الكتب عن تفسيره.

والأجمل في هذه الذاكرة أنها لا تقول إن ثقافة غلبت ثقافة، أو إن طرفًا منح والآخر أخذ؛ بل تقول إن الثقافات حين تلتقي طويلًا، تنجب ثقافة ثالثة، لها ملامحها الخاصة، ولا يستطيع أحد أن يحتكرها.

هكذا يمكن قراءة زنجبار اليوم: لا باعتبارها صورة من الماضي العُماني، ولا باعتبارها هامشاً في التاريخ، وإنما باعتبارها شريكاً في ذاكرة بحرية مشتركة. ذاكرة ما زالت تمشي على أقدام الراقصين، وتتكلم بالسواحيلية، وتستدعي العربية، وتقرع الطبل كما لو أنها تقول للواصلين من عُمان: لقد تغيرت الأزمنة، لكن البحر ما زال يعرف الطريق.

وفي ميناء زنجبار، ربما لم تكن «مساويه» رقصةً فحسب؛ كانت تحيةً من التاريخ إلى الحاضر، تقول إن بعض العلاقات لا تحفظها الوثائق وحدها، وإنما تحفظها الموسيقى حين تتذكر، والرقص حين يحكي، والإنسان حين يواصل ما بدأه البحر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*