د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليست الأمم عاجزة عن قراءة تاريخها، ولا هي تجهل ما خلّفته الحروب من خراب، وما أورثته المغامرات من خيبات، وما دفعته الشعوب من أعمارها وأرزاقها وأحلام أبنائها. ولكن العجيب أن الأمم قد تعرف الحقيقة، وتدرك العاقبة، ثم تمضي إلى الطريق نفسه، كأنما تقرأ التاريخ لتطمئن إلى ذاكرتها، لا لتصحح مسيرتها.
إن الأمم لا تكرر أخطاءها لأنها تجهل التاريخ دائمًا، بل لأنها أحياناً تعرفه، ثم تتصرف وكأن عواقبه لن تتكرر معها.
ولعل هذه المفارقة هي أقرب ما يصف حال الشرق الأوسط اليوم؛ منطقة أنهكتها الصراعات، وتبدلت فيها التحالفات، وتوالت عليها الوعود بالخلاص، حتى أصبح السلام فيها حلماً مؤجلاً، وصارت الحروب، على اختلاف أسبابها وأسمائها، كأنها فصول متعاقبة من حكاية واحدة لم يتعلم أبطالها نهايتها.
فما أكثر ما بدأت الحروب بأهداف محددة، ثم تجاوزت تلك الأهداف، وما أكثر ما رُفعت رايات النصر فوق أرض لم يبقَ فيها ما يستحق الاحتفال. وقد تنجح القوة في إزاحة خصم، ولكنها لا تستطيع وحدها أن تزرع الثقة، أو تبني دولة، أو تداوي ذاكرة شعب، أو تضمن أن الخصومة التي انتهت اليوم لن تعود غدًا في صورة أشد تعقيداً.
والمأساة أن كل طرف يرى في أخطاء الآخرين عبرة، وفي أخطائه ضرورة؛ فإذا انتصر عدّ انتصاره دليلًا على صحة الطريق، وإذا تعثر ألقى باللوم على الظروف أو الحلفاء أو خيانة الحسابات. وهكذا تضيع فرصة المراجعة، ويصبح الخطأ تجربة تتكرر، لا درساً يُستفاد منه.
وليس في الحكمة أن تتخلى الدول عن حقوقها، أو أن تتساهل في أمنها وسيادتها، وإنما الحكمة أن تعرف حدود القوة، وأن تميز بين ما يحقق نصراً عابراً وما يصنع استقراراً دائماً. فليست كل تسوية ضعفاً، كما أن ليست كل مواجهة دليل قوة؛ إنما تُعرف قيمة القرار بما يتركه من أمن، وما يجنّبه من خسائر، وما يفتحه للأجيال القادمة من آفاق.
إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الذين يحسنون تفسير الحروب بعد وقوعها، بقدر حاجتها إلى من يمتلكون بصيرة تمنع وقوعها. فالتاريخ لا يطلب من الأمم أن تعيش في ظلال الماضي، بل أن تتحرر من أخطائه، وأن تفهم أن المستقبل لا يُبنى بتكرار أسباب الخراب.
وأشد الأمم خسارة ليست تلك التي تخطئ، فكل أمة معرضة للخطأ، وإنما تلك التي ترى العاقبة ماثلة أمامها، ثم تمضي إليها مطمئنة، كأن التاريخ كُتب ليكون عبرة للآخرين، لا لها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة