مقال | حين حدّثني جدي عن سر بقاء المجتمعات

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قال لي جدي ذات مساء، ونحن نجلس على مرتفع يطل على الوادي: “يا بني، إن الجبال لا تبقى لأنها أعلى من غيرها فقط، بل لأنها عرفت كيف تثبت جذورها في الأرض”.

سألته: وما علاقة الجبال بالمجتمعات يا جدي؟.

ابتسم وقال: “كل مجتمع له جبل يقف عليه؛ ليس حجراً، بل قيمٌ وعلاقات وثقة. فإذا اهتزت هذه الجذور، لم تنفع قوة السطح”.

ثم أخذ يحدثني عن أحوال الناس وتقلبات الزمن، وقال: “من يقرأ التاريخ يعرف أن بقاء المجتمعات لم يكن دائماً بسبب كثرة المال أو قوة السلاح، بل بسبب قدرتها على حفظ تماسكها عندما تتغير الظروف”.

وأضاف: “كانت المجتمعات تعرف أن الحياة لا تسير على حال واحد؛ يأتي الرخاء ثم يأتي الشح، يأتي الأمن ثم تأتي الاختبارات، وتظهر الخلافات بين الناس والدول، لكن الحكيم لا يجعل كل اختلاف بداية خصومة”.

سألته: وما الذي يحفظ الناس في أوقات التحولات؟.

قال: “ثلاثة أشياء يا بني: أن يعرفوا بعضهم، وأن يحترموا بعضهم، وأن لا يسمحوا للخوف والوهم والشك أن يكونوا حكاماً بينهم”.

ثم كرر ثلاثيته التي طالما حفظتها منه: “أبعدوا عنكم الخوف؛ لأنه يجعل الإنسان يرى في كل شيء عدواً.

وأبعدوا عنكم الوهم؛ لأنه يبني مواقف على أمور لم تقع.

وأبعدوا عنكم الشك؛ لأنه يأكل الثقة التي هي أساس العمران”.

تذكرت حينها ما قاله ابن خلدون عن قيام الدول والمجتمعات؛ فالعمران لا يقوم فقط بالثروة والقوة، بل بروابط الاجتماع، وبقدرة الناس على التعاون، وبوجود شعور مشترك يجعل المصلحة العامة أكبر من نزوات اللحظة.

قال جدي: “المجتمعات التي تعيش في بيئة واحدة لا تحتاج أن تكون نسخة واحدة من بعضها، لكنها تحتاج أن تفهم أن اختلاف الطباع والرؤى لا يلغي المصالح المشتركة. فالجار لا يصبح عدواً لأنه يختلف، والشريك لا يصبح خصماً لأنه يرى الطريق من زاوية أخرى”.

ثم أردف: “العاقل لا يسأل فقط: ماذا حدث؟. بل يسأل: لماذا حدث؟. وما الظروف التي أحاطت به؟.”

ولهذا، فإن الدول والمجتمعات التي تريد عبور المستقبل تحتاج إلى ثقافة التريث قبل الحكم، وإلى شفافية تشرح للناس أسباب القرارات وأهدافها، لأن الفراغ في الفهم تملؤه الشائعات، والغياب عن التفسير يفتح الباب للتأويل والقلق.

قال جدي: “لا تجعلوا كل خبر أزمة، ولا كل اختلاف مواجهة، ولا كل قرار موضع ريبة. فالأمم لا تُختبر فقط بما تواجهه من الخارج، بل بكيفية إدارتها لما يحدث في الداخل”.

ثم أشار إلى الطريق الممتد أمامنا، وقال: “كل جيل يبني الطريق الذي سيمشي عليه الجيل الذي بعده. فمن زرع الثقة حصد الاستقرار، ومن زرع الشك حصد الانقسام”.

وفي ذلك المساء أدركت أن سر بقاء المجتمعات عبر الزمن ليس أنها لم تواجه العواصف، بل أنها عرفت كيف تعبرها معاً.

فالقوة الحقيقية ليست في غياب الاختلاف، بل في القدرة على إدارته. وليست في أن يرى الجميع العالم بعين واحدة، بل في أن يعرفوا أن المصير المشترك أكبر من الرأي المختلف.

فالمجتمعات التي تحمي لحمتها، وتحترم الآخر، وتقرأ محيطها بعقل هادئ، لا تعيش فقط حاضرها بأمان، بل تصنع لنفسها مكاناً في المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*