مقال | حين انتصرت المسافة على الضجيج

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم تكن الطريق إلى هذا الاتفاق مفروشة بالتصريحات، بل بالصمت.

في زمنٍ كانت فيه المنطقة تمشي على حافة الاشتعال، حيث كانت الأصابع على الزناد أكثر من كونها على الطاولة، اختارت عُمان طريقاً آخر.. طريقاً لا يُرى بسهولة، ولا يُقاس بنتائج عاجلة، ولا يُصفّق له في حينه. طريق الدبلوماسية.

كانت الرحلة طويلة.. وموحشة أحياناً.

في كل جولة، كانت هناك شكوك: هل يمكن جمع من لا يجتمعون؟.

هل يمكن أن يُقنع من اعتاد لغة القوة بمنطق التهدئة؟.

وهل للصوت الهادئ مكان في ضجيج الصواريخ؟.

لم تكن التحديات خارجية فقط، بل داخلية أيضاً في المشهد الدولي نفسه؛ ضغوط، تسريبات، رسائل متناقضة، وشدّ وجذب بين عواصم القرار. كانت كل خطوة إلى الأمام تُقابل بمحاولة دفع إلى الخلف، وكل نافذة تُفتح، تُغلقها الرياح الساخنة القادمة من ساحات التوتر.

ومع ذلك.. استمرت الرحلة.

لم تبحث عُمان عن دور، بل عن مخرج. لم تنافس أحداً، بل حاولت أن تُبقي الخيط الأخير موصولاً بين أطراف كادت أن تقطع كل الجسور. كانت تدرك أن الحرب سهلة.. وأن الصعب هو أن تمنعها.

اليوم، حين يخرج معالي السيد بدر البوسعيدي، ليقول إن ما تحقق هو “انتصار للدبلوماسية والمنطق السليم”، فإن العبارة لا تُقرأ بوصفها تصريحاً، بل خلاصة مسار. خلاصة صبرٍ طويل على طريق لم يكن واضح النهاية.

لقد أثبتت التجربة أن الدبلوماسية ليست ضعفاً كما يُصوّرها المتعجلون، بل هي القدرة على تحمّل ما لا يحتمله الآخرون؛ القدرة على السير في طرق لا تُكافئ أصحابها فوراً، لكنها في النهاية تقود إلى ما لا تقود إليه الحروب.

كان يمكن للمنطقة أن تذهب إلى مواجهة مفتوحة.. وكان يمكن أن يُكتب فصل جديد من الفوضى. لكن هناك من آمن أن المسافة بين التصعيد والانفراج يمكن أن تُقطع بالكلمة، لا بالنار.

وهذا ما حدث.

لم يكن الانتصار لطرف على آخر، بل انتصاراً لفكرة:

أن العقل يمكن أن يسبق الرصاصة، وأن الحوار – مهما تأخر – يظل الطريق الأقصر إلى النجاة.

تلك هي الرحلة..

وتلك هي النتيجة.

وأما الطريق، فقد كان – كما وصفه معاليه – الطريق الصحيح.. حتى وإن بدا في بدايته الأطول.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*