د. قاسم بن محمد الصالحي|
في أطراف الوادي، حيث تمتد الأفلاج كخيوط حياةٍ دقيقة، كان الناس يعرفون أن الماء لا يُترك دون قسمة، ولا يُفتح مجراه لكل عابر. فالماء إن سال بلا نظام، أفسد الزرع قبل أن يُحييه. تلك حكمةٌ لم تُكتب في دفاتر، بل حُفرت في السلوك، وتوارثتها الأجيال كما تتوارث الأرض ظلَّ النخيل.
يروى أن رجلاً جاء ذات موسمٍ يشكو قلة الماء، فبدأ يفتح مجرى الفلج كلما سمع صوتاً يقول: “الماء لك اليوم”. لم يتحقق، ولم يسأل، ولم يرجع إلى ميزان القسمة. فتح هنا، وأغلق هناك، حتى اختلطت الأوقات، واحتج الناس، ويبس بعض الزرع، وغرق بعضه الآخر. لم يكن الخلل في الماء، ولا في الأرض، بل فيمن سلّم تدبيره لكل صوتٍ عابر.
هكذا هو الوعي حين يُترك دون حارس.
ليس كل ما يُقال حقاً، ولا كل ما ينتشر يستحق أن يُتّبع. في المجتمعات التي قامت على التثبت، كان الخبر يُعرض على العقل كما يُعرض الماء على ميزان الفلج: إن استقام، جرى؛ وإن اضطرب، حُبس.
اليوم، لم تعد الأصوات تأتي من طرق الوادي، بل من فضاءاتٍ لا تُرى. كلماتٌ تتدفق بلا سياق، وصورٌ تُبنى بلا أصل، وتفسيراتٌ تُلقى كأنها يقين. والخطر لا يكمن في كثرتها، بل في قابلية استقبالها دون غربلة؛ حين يصبح الإنسان ناقلاً قبل أن يكون ناظراً، ومُصدّقاً قبل أن يكون مصححا.
إن المجتمع لا ينهار بضربةٍ واحدة، بل بتراكم اختلالاتٍ صغيرة: خبرٌ لم يُتحقق منه، ظنٌّ قُدّم على أنه حقيقة، كلمةٌ أُعيد نشرها دون مسؤولية. ومع كل ذلك، يُعاد تشكيل الإدراك الجمعي، حتى يجد الناس أنفسهم أمام صورةٍ لا تشبههم، لكنهم شاركوا في رسمها.
هنا تتجلى العبارة بكل ثقلها:
من يسلّم وعيه لكل عابر، إنما يسلّم السيف لضاربه.
الحكمة العُمانية لم تكن يوماً في كثرة القول، بل في وزنه؛ في الصمت حين يلتبس الأمر، وفي السؤال قبل الإقرار، وفي ردّ الكلمة إلى أصلها قبل نشرها. كانت تعرف أن الاستقرار لا يُصان بالقوة وحدها، بل بسلامة الإدراك، وأن تماسك المجتمع يبدأ من فردٍ يختار أن يتثبت، لا أن ينجرف.
إعادة التوازن لا تحتاج إلى معارك، بل إلى استعادة هذا الميزان:
أن نُعيد للخبر قيمته الحقيقية، فلا نرفعه فوق حجمه، ولا نسمح له أن يعبث بما هو أثمن. أن يكون لكل كلمةٍ بابٌ تدخل منه، لا أن تقتحم العقول بلا إذن.
فالمجتمعات التي تحرس وعيها، لا يخترقها الضجيج،
والمجتمعات التي تُحسن الإصغاء، لا تُضللها الأصوات.
تلك ليست موعظة، بل قاعدة بقاء:
احفظ وعيك، تحفظ مجتمعك… ولا تسلّم السيف إلا لمن يعرف كيف يصونه.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة