د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل طورٍ من أطوار التاريخ، ظلّ الإنسان العُماني يكتب سيرته على مهلٍ، لا على عَجَلِ اللحظة. من مرافئ صور وصحار، إلى دروب الداخل الممتدة بين الجبال والواحات، لم يكن العُماني يوماً ابنَ أداة، بل كان صانعاً لمعناها. حمل البحر في قلبه دون أن يذوب فيه، وفتح على العالم أبوابه دون أن يُغلق نوافذه على ذاته. تلك هي الخصوصية التي صمدت عبر الدهور: توازنٌ دقيق بين الانفتاح والثبات.
اليوم، ونحن في قلب التحول الرقمي، تعود الفكرة ذاتها بصيغة جديدة. فالتقنية ليست قدرًا يُفرض، بل وسيلة تُشكَّل. وفي توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، يتجدد المعنى: بناء جيل رقمي مسؤول لا يعني تسليم العقول للشاشات، بل تحريرها بها؛ لا يعني الانسلاخ عن الجذور، بل تعميقها بأدوات العصر.
لقد عرف العُماني كيف يوظف الريح لبلوغ السواحل البعيدة، فهل يعجز اليوم عن توظيف الخوارزميات لصون هويته؟. الفرق ليس في الأداة، بل في الوعي الذي يديرها. حين تكون التقنية امتداداً للإنسان، تتحول إلى قوة تمكين؛ وحين ينقلب الإنسان تابعاً لها، تصبح عبئاً يهدد تماسكه الاجتماعي وقيمه الراسخة.
إن التحدي الحقيقي ليس في سرعة الاتصال، بل في عمق المعنى. وليس في كثافة المحتوى، بل في صدقه. وهنا تتجلى مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات: أن تصوغ عقلاً رقمياً لا يُستهلك، بل يُنتج؛ لا ينجرف، بل يختار؛ لا يكرر، بل يُبدع.
في التجربة العُمانية، لم تكن الهوية يوماً قالباً جامداً، بل كائناً حياً يتجدد دون أن يتبدد. لذلك فإن المستقبل الرقمي لا يُخيفها، بل يستدعيها لتؤكد حضورها بصيغة أوسع: لغةً في الفضاء الرقمي، وقيماً في التفاعل، وإبداعًا في الإنتاج.
الخلاصة، أن الرهان ليس على التقنية ذاتها، بل على الإنسان الذي يستخدمها. فإذا بقي العُماني وفياً لجوهره -حكيماً في انفتاحه، راسخاً في قيمه- فإن كل شاشة ستصبح نافذةً له، لا عليه؛ وكل أداة ستكون جسراً يعبر به إلى المستقبل، دون أن يفقد طريق العودة إلى ذاته.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة