د. بهمن أكبري|
في كل عام، يحتفل العالم في الحادي والعشرين من مايو بـ«اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية»، وهو احتفاء يبدو في ظاهره أقرب إلى خطاب أخلاقي ناعم، لكنه في عمقه يعكس سؤالاً وجودياً شديد التعقيد: هل تستطيع البشرية أن تؤمن بالتعدد والتسامح في زمن الحروب والانقسامات والهويات القاتلة؟
هذا السؤال يكتسب اليوم راهنيته القصوى في عالم يعيش على إيقاع الحروب المفتوحة، والاستقطابات الجيوسياسية، وصعود الشعبويات القومية والدينية، وتراجع منظومة القانون الدولي، وتحوّل الهويات الثقافية والدينية إلى أدوات تعبئة سياسية وصراعات استراتيجية. غير أن المفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن القيم الإنسانية الكبرى لا تولد غالباً في أزمنة الاستقرار، بل تتشكّل وسط المآسي الكبرى. فكما وُلدت فكرة حقوق الإنسان الحديثة ومنظومة الأمم المتحدة من رماد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإن الحديث عن التسامح والتنوع والحوار يصبح أكثر ضرورة في زمن الحرب لا أقل.
إن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه بعض القراءات السياسية والثقافية يتمثل في الاعتقاد بأن الدعوة إلى التسامح في زمن الحرب نوع من الترف الفكري أو الهروب الأخلاقي من الواقع. بينما الحقيقة أن الحروب نفسها تكشف حدود العنف وحدود الأيديولوجيات المغلقة، وتفرض على الإنسانية البحث عن أفق أخلاقي جديد يمنع الانهيار الكامل للمجتمع البشري. فالحرب ليست فقط صراعاً على الأرض أو السلطة، بل هي أيضاً أزمة في مفهوم الإنسان والآخر والعيش المشترك.
لقد جاء اليوم العالمي للتنوع الثقافي في سياق عالمي مضطرب أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهي المرحلة التي شهدت تصاعد أطروحة «صراع الحضارات» التي روّج لها صامويل هنتنجتون. وقد انطلقت هذه النظرية من تصور اختزالي يرى العالم مجموعة حضارات مغلقة متصارعة، تتحرك وفق هويات دينية وثقافية صلبة لا وفق المصالح الإنسانية المشتركة أو التطور الحضاري المتداخل.
تكمن خطورة هذا التصور في أنه يحوّل الثقافة من فضاء للتفاعل الإنساني إلى جدار للعزل الحضاري، ويجعل من التنوع الثقافي مشروع تهديد دائم لا مصدر غنى إنساني. كما أنه يبرر بصورة غير مباشرة عسكرة العلاقات الدولية، وإعادة إنتاج «الآخر العدو» داخل الوعي السياسي العالمي.
غير أن التجربة التاريخية نفسها تكشف هشاشة هذا التصور. فالحضارات لم تكن يوماً كيانات نقية مغلقة، بل كانت نتاجاً دائماً للتفاعل والتلاقح والتبادل المعرفي والاقتصادي والروحي. والحضارة الإسلامية نفسها، كما الحضارة الغربية والصينية والهندية، تشكلت عبر قرون من الأخذ والعطاء والتفاعل مع الآخر المختلف.
ومن هنا، فإن المشكلة الحقيقية ليست في التنوع الثقافي ذاته، بل في تسييسه وتحويله إلى أداة صراع وهيمنة. فالثقافة عندما تبقى في إطارها الإنساني الطبيعي تكون مجالاً للإبداع والتعدد والجمال، أما حين تتحول إلى أيديولوجيا سياسية مغلقة فإنها تصبح وقوداً للكراهية والاحتراب.
لقد استخدمت القوى الكبرى، ولا تزال، الهويات الدينية والمذهبية والقومية بوصفها أدوات في الصراع الدولي. ففي الحرب الباردة جرى توظيف الدين في مواجهة الشيوعية، كما أُعيد تشكيل كثير من الهويات الدينية وفق احتياجات الصراع الجيوسياسي. واليوم يتكرر المشهد بأشكال مختلفة، حيث تُستخدم الانقسامات الطائفية والقومية والعرقية لإدارة النفوذ وإعادة رسم خرائط المنطقة والعالم.
لكن النقد الإصلاحي هنا يجب ألا يتحول إلى خطاب تبريري يلقي المسؤولية كاملة على الخارج. فالكثير من المجتمعات العربية والإسلامية أسهمت أيضاً في إنتاج أزماتها الداخلية عبر غياب مفهوم المواطنة المتساوية، وضعف الدولة المدنية العادلة، وتحويل الدين والمذهب إلى أدوات اصطفاف سياسي واجتماعي. وعندما تفقد الدولة حيادها تجاه مكوناتها الثقافية والدينية، يتحول التنوع من ثروة اجتماعية إلى مشروع صراع مؤجل.
إن الإشكالية الكبرى لا تكمن في وجود جماعات دينية أو ثقافية منغلقة على ذاتها، فهذه ظاهرة إنسانية طبيعية موجودة في كل الحضارات والأديان، بل تكمن في لحظة انتقال هذا الانغلاق من المجال الثقافي الخاص إلى المجال السياسي السلطوي، حيث يصبح الإقصاء والتمييز وإلغاء الآخر جزءاً من بنية الدولة أو منطق الجماعات المسلحة.
وفي هذا السياق، لا يكفي الحديث الأخلاقي المجرد عن التسامح، بل لا بد من بناء منظومة سياسية وقانونية وثقافية تحمي التنوع بوصفه حقاً إنسانياً لا مجرد شعار احتفالي. فالتسامح الحقيقي لا يعني مجرد قبول الآخر نظرياً، بل يعني الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، والعدالة في توزيع الحقوق والفرص، وحماية الأقليات، ومنع تحويل الاختلاف إلى ذريعة للإقصاء أو التخوين.
ومن هنا، فإن الحديث عن الحوار في زمن الحرب ليس خطاباً رومانسياً، بل ضرورة حضارية وأمنية في آن واحد. فكل حرب تبدأ أولاً بانهيار اللغة المشتركة بين البشر، وبفشل القدرة على رؤية الإنسان في الطرف الآخر. وعندما تتحول الهويات إلى متاريس مغلقة، يصبح العنف أكثر سهولة من الحوار.
إن العالم اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه؛ فالأمن لا يتحقق فقط بالتفوق العسكري، بل ببناء الثقة بين المجتمعات والثقافات، وبإنتاج أنظمة سياسية عادلة، وبترسيخ أخلاق الاعتراف المتبادل. كما أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر في بيئات تقوم على الكراهية والإقصاء والاستقطاب الطائفي والثقافي.
ولعل أخطر ما يهدد البشرية اليوم ليس مجرد الحرب العسكرية، بل انهيار الحس الإنساني المشترك، وصعود نزعات ترى في الاختلاف خطراً وجودياً لا فرصة حضارية. ولهذا، فإن الدفاع عن التنوع الثقافي في زمن الحرب ليس ترفاً فكرياً، بل دفاع عن فكرة الإنسان نفسها.
إن العالم الذي خرج من الحربين العالميتين بمفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي قادر ـ إذا امتلك شجاعة المراجعة النقدية ـ على أن يخرج من أزماته الراهنة بفلسفة جديدة للتعايش الإنساني، تتجاوز منطق الهيمنة والصدام، وتؤمن بأن التعدد ليس لعنة تاريخية، بل أحد أعظم شروط بقاء الحضارة الإنسانية واستمرارها.
وفي الختام، فإنّ التنوع الثقافي ليس تهديداً لبقاء الإنسان أو لاستقرار المجتمعات، بل هو شرطٌ جوهريّ لحيوية الحضارة الإنسانية واستمرارها؛ إذ إنّ الحكمة الإلهية نفسها تعلّقت بهذا التعدد والتنوع، بوصفه سنّة من سنن العمران البشري، لا سبباً للصراع والإلغاء. يقول الله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ﴾
(الحجرات: 13).
فالآية الكريمة لا تنظر إلى الاختلاف بوصفه لعنة تاريخية أو مدخلاً للصدام، بل باعتباره أفقاً للتعارف والتكامل الإنساني، حيث تتأسس العلاقة بين الشعوب والثقافات على المعرفة المتبادلة والكرامة الإنسانية، لا على الهيمنة والإقصاء والكراهية.
ومن هنا، فإنّ الرؤية الحضارية للتنوع الثقافي، القائمة على قبول الاختلاف، وترسيخ العدالة، وتعزيز قيم التسامح والحوار، قادرة على حماية المجتمعات من الانزلاق إلى دوائر الاحتراب المستدام، وعلى بناء عالم أكثر توازناً وإنسانية، بعيداً عن منطق الحروب اللامتناهية وصراعات الهويات المغلقة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة