مقال | حين يُغتال معنى الفداء

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم تكن قصة افتداء إسماعيل عليه السلام بكبش عظيم لحظة نجاة فردية فحسب، بل كانت إعلاناً كونياً بأن الدم ليس غاية، وأن الامتحان الإلهي لا يُقصد به الإزهاق، بل الارتقاء. في تلك اللحظة الفارقة، حين امتثل إبراهيم للأمر، لم يُطلب منه أن يُكمل الذبح، بل أن يبلغ حدّ التسليم؛ فجاء الفداء ليعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والدم، بين الطاعة والرحمة.

غير أن العالم، في لحظات انكساره الأخلاقي، يعيد إنتاج المشهد على نحوٍ مقلوب. ففي غزة وساحات أخرى، يُراق الدم بلا امتحان، وتُزهق الأرواح بلا غاية سامية، وكأن البشرية نسيت أن أول درس في الفداء كان إيقاف السكين، لا إكمالها.

هنا، لا يعود السؤال: من يملك القوة؟.

بل: من يملك المعنى؟.

فالفرق شاسع بين من يذبح امتثالاً لابتلاءٍ ينتهي بالرحمة، وبين من يسفك الدماء توسيعاً لحدود، أو تثبيتًا لمصالح، أو انتصاراً لرواية ترى في الآخر مجرد رقم. في الحالة الأولى، كان الذبح معلقاً بإرادة السماء؛ وفي الثانية، صار الدم أداةً في يد الأرض، تُستخدم بلا سقف أخلاقي.

إن ما يحدث اليوم يكشف انزلاقاً خطيراً من “سنّة الفداء” إلى “ثقافة الإلغاء”. لم يعد الإنسان يُختبر ليُنجى، بل يُستهدف ليُمحى. ولم تعد القوة وسيلة لحماية الحياة، بل ذريعة لإدارتها وفق ميزان الربح والخسارة.

وفي هذا المشهد، يغيب الدرس الأكبر: أن الله، حين شرع الفداء، أراد أن ينقذ البشرية من وهم أن الدم طريق الخلاص. أراد أن يقول إن أعظم انتصار ليس في القدرة على القتل، بل في القدرة على التوقف عنه.

لكن حين تُختزل القيم في حسابات ضيقة، يصبح الخير عبئاً، ويُعاد تعريف الشر بوصفه ضرورة. وهنا، لا تعود المأساة في عدد الضحايا فقط، بل في ضياع البوصلة التي تميز بين ما يجب أن يُفعل وما يمكن أن يُفعل.

إن غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا تُقصف، بل مرآة تُظهر إلى أي حد يمكن أن يبتعد الإنسان عن المعنى الأول للفداء. بين كبشٍ أنقذ حياة، وواقعٍ تُزهق فيه الأرواح بلا بديل، تتسع المسافة بين ما أراده الله للبشرية، وما تصنعه بها حين تغلبها شهوة القوة.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً في ضمير العالم: هل نتعلم من لحظة توقّف السكين.. أم نُصرّ على أن نكتب تاريخنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*