مقال | حين يرحل العقل الهادئ

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لا يرحل المفكرون كما يرحل سواهم؛ فهم يتركون خلفهم خرائط للمعنى، وطبقاتٍ من الوعي تتكشّف مع الزمن. وبرحيل الشيخ خميس بن راشد العدوي، تخسر الساحة العُمانية والعربية صوتًا اتّزن فيه العقل مع الخلق، واجتمع فيه البيان مع البصيرة. لم يكن حضوره صاخبًا، بل كان من ذلك الطراز الذي يذكّرنا بما قاله الجاحظ عن فضل البيان، وبما أسّسه عبد الرحمن بن خلدون من فهمٍ لعمران الفكر قبل عمران المكان.

في زمنٍ يتسارع فيه القول وتتناقص فيه مساحات التأمل، كان العدوي يكتب وكأنه يستعيد للعبارة وقارها، وللفكرة وزنها. لم ينحز إلى حدّة الخطاب، بل إلى عمقه؛ ولم يُغْرِهُ البريق، بل استمسك بجوهر المعنى. وهنا تكمن قيمته الاجتماعية؛ إذ مثّل نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بالتنظير، بل يُسهم في تهذيب الذوق العام، وترشيد النقاش، وإعادة الاعتبار لفكرة “الاختلاف الراشد”.

إن المجتمعات لا تبنى فقط بالسياسات، بل بالأفكار التي تسبقها وتوجّهها. ومن هذا الباب، كان حضور العدوي أقرب إلى “ضمير ثقافي” يذكّر بأن الاعتدال ليس موقفاً وسطًا فحسب، بل هو منهج في التفكير والحياة. وهو ما يلتقي مع مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل، ومع دعوة طه حسين إلى تحريره من قيوده.

رحل الجسد، وبقي الأثر. وتبقى مسؤوليتنا -كقرّاء ومجتمع- أن نحفظ هذا الأثر لا بالرثاء وحده، بل باستدامة الفكرة التي حملها: فكرة العقل الهادئ، الذي يبني بصمت، ويُصلح دون ضجيج، ويؤمن أن الكلمة الصادقة أبقى من كل صخب عابر.

رحم الله الشيخ خميس بن راشد العدوي، وجعل إرثه الفكري حيًا فينا، لا ذكرى تُستعاد، بل طريقاً يُستكمل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*