د. ناصر بن علي الجهوري|
لم تعد مداخل المدن مجرد نقاط عبور، بل تحولت إلى منصات حضارية وبوابات لصناعة الانطباع الأول؛ ذلك الانطباع الذي تُبنى عليه قرارات السياحة والاستثمار. فالمكان لا يُقاس بما يحتويه فقط، بل بكيفية تقديمه؛ كقصة تُروى، وهوية تُعرض، وفرصة تُستثمر.
وفي سلطنة عُمان، ثمة حاجة لإعادة تصميم مداخل الولايات لتجمع بين الأصالة والابتكار، وتترجم الخصوصية إلى تجربة بصرية تعكس روح المكان وتستشرف مستقبله. إن تطوير مداخل الولايات يجب أن ينطلق من مفهوم الهوية البصرية، التي تتجاوز اللوحة الترحيبية إلى منظومة تصميم حضري متكامل.
هذه المنظومة توظف عناصر المكان الجمالية والرمزية، وتشمل: طرقاً واسعة ومتعددة المسارات، ومماشي صحية، وألواناً مستلهمة من البيئة، وأشكالاً معمارية معاصرة، وإضاءة ذكية، ولوحات رقمية تفاعلية، ومساحات خضراء… وغيرها.
ولا يقل البعد الاستثماري عن الجمالي. يمكن تحويل المداخل إلى منصات اقتصادية بمساحات للمنتجات المحلية والمقاهي والعلامات الوطنية. بهذا تتحول نقطة الدخول إلى نقطة جذب تنشّط الاقتصاد والسياحة وتفتح آفاقاً لرواد الأعمال، خصوصاً الشباب.
ويمكن الارتقاء بالمفهوم عبر إنشاء مدخل ذكي تفاعلي يعتمد على تقنيات الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي. يرى الزائر عبر هاتفه طبقات رقمية فوق المشهد الحقيقي، تعرض تاريخ المكان ومقوماته.
تُعد ولاية السويق نموذجاً واعداً كنقطة إنطلاق لهذه الفكرة، نظراً لثقلها السكاني وموقعها وامتدادها وعمقها. حيث تشير البيانات إلى أن عدد سكانها يتجاوز (107 آلاف نسمة)، ما يجعل مدخلها واجهة يومية نابضة بالحركة، وبوابة ذات أثر مباشر على النشاط الاقتصادي والسياحي والاجتماعي.
ولتحقيق أثر وطني مستدام، يمكن تبني مبادرة مرحلية تقوم على تطوير مدخل ولاية واحدة سنوياً في كل محافظة، وفق معايير موحدة وهوية بصرية تراعي الخصوصية. هذا التوجه يعزز التنافس الإيجابي، ويخلق حراكاً تنمويا ويبني واجهة حضارية متكاملة.
ولتحقيق ذلك، لا بد من منهج تشاركي يجمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، بحيث تُصاغ هوية كل ولاية بمشاركة أبنائها، وبإشراف مختصين في التصميم الحضري والتسويق المكاني، مع الاستفادة من التجارب العالمية دون التفريط في الخصوصية العُمانية.
وفي هذا السياق، يبرز دور المحافظ في تحويل هذه الرؤية إلى واقع، عبر تبني مشاريع تطوير مداخل الولايات، وتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، وتحفيز المبادرات المجتمعية.
إن الاستثمار في مداخل الولايات هو استثمار في الصورة الذهنية، التي أصبحت من أهم عناصر التنافس بين المدن. فمدخلٌ ملهم قد يطيل إقامة سائح، أو يجذب مستثمراً، أو يعزز شعور المواطن بالانتماء.
لقد أصبح تطوير مداخل الولايات في سلطنة عُمان ضرورة جمالية وتنموية تواكب الطموحات الوطنية لتنويع الاقتصاد وتعزيز السياحة. إنها دعوة لإعادة التفكير في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير، وتؤكد أن البداية الحقيقية لأي مدينة تبدأ من مدخلها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة