مقال | على ضفاف هرمز.. وعي المرحلة حين يتقدّم على ضجيجها

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأحداث بحجمها الظاهر، بل بقدرتها على إعادة تعريف ما هو ممكن. ما يتشكل اليوم بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد مقترح اتفاق، بل اختبار حقيقي لوعي المرحلة: هل تبقى المنطقة أسيرة ردود الفعل، أم تنتقل إلى هندسة الفعل ذاته؟.

على امتداد مضيق هرمز، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، يتجلّى هذا السؤال بوضوح. فالمضيق الذي كان مرآة للتوتر، يمكن أن يتحول—إذا نضجت الإرادة—إلى مؤشر على استقرار محسوب. هنا تكمن أولى إشارات الوعي: إدراك أن أمن الممرات لم يعد شأناً سيادياً ضيقاً، بل مسؤولية مشتركة تُبنى بالتفاهم لا بالاستعراض.

الإشارة الثانية تتعلق بتحوّل أدوات القوة. فالعقوبات، والضغط العسكري، وخطاب الحافة، كلها بلغت حدود فعاليتها. العالم—بلا إعلان صريح—يبحث عن معادلة أقل كلفة وأكثر استدامة. من هذا المنظور، فإن أي تفاهم مرحلي لا يعني ضعفاً، بل اعترافاً ضمنياً بأن إدارة الصراع تحتاج إلى قواعد جديدة.

أما الإشارة الثالثة، فتتجلى في سلوك الفاعلين الإقليميين، دول الخليج لم تعد مجرد ساحة تتلقى ارتدادات الصراع، بل باتت تمتلك هامشاً أوسع لإعادة التموضع، مستفيدة من تراجع احتمالات الانفجار. وفي المقابل، تدرك إيران أن الانخراط الاقتصادي التدريجي قد يحقق لها ما لم تحققه سنوات المواجهة. وبين هذا وذاك، تراقب الصين بهدوء، لأن استقرار الطاقة ليس تفصيلاً في معادلتها، بل ركيزة أساسية.

الوعي الحقيقي للمرحلة لا يكمن في الاحتفاء بالاتفاقات، بل في القدرة على تحويلها إلى مسار. فالتاريخ لا يكافئ من يوقّع، بل من يثبّت. وإذا كان من درس يُستفاد اليوم، فهو أن المنطقة، التي طالما عاشت على حافة الاحتمال، تملك أخيراً فرصة لأن تعيش داخل المعادلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*