د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست مسقط مدينة عابرة في سجل الزمن، بل صفحة مضيئة كتبتها عُمان على ضفاف البحر، حيث كانت المرافئ بوابات للعالم، وكانت السفن رسلاً تحمل التجارة والفكر والهوية. هنا، لم يكن الموقع الجغرافي مجرد ميزة، بل قدراً حضارياً جعل من مسقط نقطة التقاءٍ بين الشرق والغرب، ومرآةً لروحٍ عُمانية تعرف كيف تنفتح دون أن تذوب.
اليوم، تعود مسقط لتكتب فصلاً جديداً، لكن هذه المرة بلغة المستقبل. مشروع “مسقط الكبرى” ليس توسعاً عمرانياً تقليدياً، بل تحوّل نوعي في فلسفة المدينة نفسها؛ انتقال من مدينة تنمو بهدوء إلى مدينة تُصاغ لتقود. إنه مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، ويضع جودة الحياة في قلب المعادلة.
في عمقه، يحمل المشروع دلالات تتجاوز البنية الأساسية والطرق الحديثة، ليعكس رؤية وطنية ناضجة تنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040. فهنا، لا تُقاس النهضة بارتفاع الأبراج، بل بقدرة
المدينة على أن تكون ذكية، مستدامة، ومتوازنة مع بيئتها وثقافتها.
الأهم أن مسقط، وهي تتجه نحو المستقبل، لا تتخلى عن ذاكرتها. فهي تدرك أن المدن التي تنسى تاريخها تفقد بوصلتها، ولذلك يأتي هذا المشروع ليحفظ روح المكان، حتى وهو يعيد تشكيل ملامحه. إنها معادلة دقيقة بين الأصالة والتجديد، بين البحر الذي حملها عبر القرون، واليابسة التي تبني عليها غدها.
“مسقط الكبرى” ليست مجرد مشروع، بل رسالة: أن عُمان تدخل مرحلة جديدة من الثقة، لا تكتفي فيها بمواكبة العالم، بل تسعى لأن تكون جزءًا من صناعته. وفي زمنٍ تتسابق فيه المدن نحو المستقبل، تختار مسقط أن تمضي بثبات.. لأنها تعرف الطريق.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة