د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس الخليج اليوم على هامش الصراع، بل في قلبه؛ مساحةٌ تتقاطع فيها طرق الطاقة والتجارة، وتتشابك فوقها حسابات القوى. من مضيق هرمز إلى باب المندب، لا يمر النفط وحده، بل تمر معه رسائل القوة والردع، واحتمالات التصعيد والتهدئة.
بين إيران من جهة، ومحور تقوده الولايات المتحدة وتدعمه إسرائيل من جهة أخرى، يتشكل مشهد لا تُحسم معاركه في الميدان فقط، بل في العقول أيضاً. فالحرب هنا ليست صواريخ تُطلق فحسب، بل سرديات تُبنى، ومخاوف تُضخّ، واصطفافات تُرسم بدقة.
وسط هذا الاشتباك، لا تملك دول الخليج رفاهية الانجرار، ولا ترف الحياد الساذج. هي معنية بحماية استقرارها، وصيانة مكتسباتها، ومواصلة تحولها من اقتصاد ريعي إلى عقدة عالمية في سلاسل الإمداد والاستثمار. غير أن هذا المسار لن يكتمل دون ركيزةٍ غالباً ما تُهمَل: وعي المجتمع.
المطلوب اليوم ليس رأياً أعلى صوتاً، بل عقلاً أكثر تمييزاً. أن ندرك أن كل خبر عاجل ليس حقيقة نهائية، وأن كل دعوة للاصطفاف قد تحمل في طياتها استدراجاً. في زمن المنصات، قد تتحول الشائعة إلى شرارة، ويغدو التسرّع وقوداً لأزمات لا نحتاجها.
الوعي المطلوب هو ذاك الذي يحمي الداخل من التصدّع: يرفض الانقسام، ويُغلّب المصلحة الوطنية، ويُميّز بين التعاطف المشروع والارتهان العاطفي. فالمجتمعات المتماسكة هي التي تُفشل محاولات الاختراق، وتمنح صانع القرار مساحة أوسع للمناورة.
الخليج اليوم يعبر مرحلة إعادة تموضع تاريخية؛ ينتقل فيها من طرفٍ في المعادلة إلى محورٍ فيها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من ينتصر؟. بل: من يحسن إدارة وعيه؟. لأن المعارك قد تُكسب أو تُخسر، أما الوعي—فهو ما يحدد إن كانت الخسارة عابرة.. أم مصيرية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة