د. ناصر بن علي الجهوري|
أصبح الترويج السياحي اليوم منظومة استراتيجية متكاملة، تقوم على التكامل بين البيانات، وبناء التجربة، وفهم دقيق للسوق، وبناء مستمر للقدرة على التأثير. ومن هذا المنطلق، طرح الدكتور خالد بن عبد الوهاب البلوشي – الخبير في الشأن السياحي- مؤخراً رؤية تؤكد أن مستقبل السياحة في سلطنة عُمان يتطلب تحقيق القدرة على إيجاد توازن فعّال بين أدوات الترويج الحديثة ووسائله التقليدية، بما يضمن حضوراً واسعاً وتأثيراً عميقاً.
وتشير الخبرات الدولية إلى أن الوجهات السياحية الأكثر نجاحاً هي تلك التي استطاعت تحقيق توازن فعّال بين الأدوات الرقمية والمعارض الدولية والعلاقات المباشرة مع شركاء القطاع السياحي. فالتسويق الرقمي، رغم قوته في الوصول والانتشار، لا يُحقق أثراً مستداماً ما لم يُدعَّم بتجارب واقعية، وشراكات مؤسسية، وحضور ميداني في الأسواق المستهدفة.
وقد أثبتت تجارب دول مثل سنغافورة والنمسا أن النجاح السياحي يأتي من بناء نماذج ترويجية متوزازنة، تجمع بين الحملات الرقمية والمشاركة الفاعلة في المعارض الدولية واستضافة صناع القرار السياحي، مما انعكس على جودة التجربة، ومستوى الإنفاق، ودرجة الارتباط العاطفي بالمكان. وهذا التحول يعكس انتقالاً عالمياً من منطق الكم إلى منطق القيمة.
وفي الحالة العُمانية، تبرز أهمية إعادة توجيه الجهود نحو أسواق سياحية أكثر تخصصاً وعمقاً وقيمة مضافة. مثل السوق الياباني، الذي يتميز بسائح يبحث عن الثقافة الهادئة والتجربة الأصيلة، وهي عناصر تتناغم مع المقومات العُمانية. كما تُعد أسواق وسط آسيا من الأسواق الصاعدة، مدفوعة بنمو الطبقة المتوسطة وتزايد الطلب على السفر الخارجي.
أما أسواق شمال أوروبا والدول الإسكندنافية، فتمثل فرصة استراتيجية مهمة، نظراً لاهتمامها بالسياحة المستدامة والطبيعة البكر، وهي عناصر تتوافر بوضوح في التنوع البيئي والجغرافي في سلطنة عُمان، ما يعزز موقعها التنافسي في سوق عالمي يتجه نحو السياحة المسؤولة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الأسواق، بل في القدرة على مخاطبتها برسائل دقيقة ومصممة وفق خصائصها الثقافية والسلوكية. وهذا يتطلب تحولاً في فلسفة الترويج من الرسائل العامة إلى الرسائل الموجهة، ومن الحملات التقليدية إلى استراتيجيات قائمة على البيانات والتحليل العميق للسوق.
ومن هذا المنطلق، تبرز ثلاث أولويات رئيسية لتطوير الترويج السياحي في سلطنة عُمان، تتمثل في بناء استراتيجية ترويجية متعددة القنوات قائمة على البيانات وتستهدف أسواقاً محددة برسائل دقيقة. وتعزيز الشراكات مع منظمي الرحلات ومنصات الحجز العالمية لرفع الحضور الدولي لسلطنة عُمان في سلاسل القيمة السياحية الدولية. والاستثمار في جودة التجربة السياحية على أرض الواقع بما يعزز تحويل الزيارة إلى تجربة متكاملة ذات أثر ممتد.
إنها معادلة المستقبل في السياحة.. حضور ذكي، ورسالة دقيقة، وتجربة أصيلة، تصنع من الإمكانات قيمة، ومن المكان وجهة راسخة في الذاكرة السياحية العالمية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة