مقال | حين تُباع المعرفة.. من يشتري ومن يُباع؟.

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم يعد السوق كما كان، ولا التاجر كما عرفناه، ولا حتى الصفقة كما تخيّلناها. في الأمس، كانت التجارة وجوهاً تتقابل، وأيادي تتصافح، وكلمة تُعطي عهداً وتبني ثقة. كانت الأسواق تُقاس بضجيجها، لكنها تُحكم بقيمها.

أما اليوم، فقد انقلب المشهد بهدوء لا يُسمع، لكنه يُرى في كل تفاصيل حياتنا. أصبح العالم سوقاً بلا حدود، والتاجر خوارزمية، والسلعة قد تكون فكرة، أو معلومة، أو حتى نمط حياة كامل. لم نعد نشتري فقط ما نحتاجه، بل نُنتج -دون أن نشعر- ما يُباع عنا.

في هذا الزمن الجديد، لم تعد القوة في امتلاك الموارد فحسب، بل في امتلاك البيانات. من يعرفك أكثر، يملك قدرة أكبر على التأثير فيك. ومن يقرأ سلوكك، يستطيع أن يوجّه قراراتك. هكذا تتحول المعلومة من مجرد أداة إلى سلطة، ومن خدمة إلى نفوذ.

الأخطر أن هذا التحول يحدث بصمت. نمنح بياناتنا كل يوم، نتحرك داخل تطبيقات ومنصات، نشارك اختياراتنا، ونظن أننا نستخدم التقنية، بينما الواقع أن التقنية-في كثير من الأحيان- تستخدمنا.

لكن الوعي هو الفارق. فالمجتمعات التي تدرك طبيعة هذا التحول، لا تخشاه بل توظّفه. تحمي بياناتها، تبني قدراتها، وتدخل السوق الجديد لاعباً لا متلقياً. أما من يتأخر، فقد يجد نفسه حاضراً في السوق.. لكن ليس كصانع قرار، بل كسلعة.

لسنا أمام تهديد، بل أمام اختبار. اختبار لقدرتنا على فهم زمن تتغيّر فيه قواعد اللعبة. فإما أن نُحسن قراءة التحول، أو نُقرأ نحن.. دون أن نعلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*