مقال | حين يتكلم من لا يملك الصورة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمن المنصات المفتوحة، لم يعد التحدي في تدفق المعلومات، بل في الجرأة على تفسيرها دون امتلاك مفاتيحها. يتصدر بعض صُنّاع المحتوى مشهداً جزئياً، فيمنحونه حكماً كاملاً، ويبررون تصرفاً قيل إنه صدر عن مسؤول في موكب رسمي، دون الإحاطة بسياقه أو حيثياته، ثم يذهبون أبعد من ذلك، فيتحدثون وكأنهم ينطقون باسم الجهة ذاتها.

هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الرأي، بل تتجاوزها إلى صناعة رواية موازية، تُبنى على التخمين وتُغلف بلغة واثقة. ومع التكرار، يختلط الظن بالحقيقة، ويصبح التفسير المرتجل بديلاً عن المعلومة الموثقة. هنا، لا يكون الخلل في فردٍ بالغ في تقدير فهمه، بل في أثرٍ يتسع ليصيب ميزان الثقة العامة.

إن أخطر ما يترتب على هذا التصدر هو تآكل الفاصل بين المسؤولية والادعاء؛ إذ يُحمِّل المتحدث جهةً رسمية ما لم تقله، ويمنح نفسه حق التبرير دون تفويض، فيُربك المتلقي، ويشوّش على الخطاب المؤسسي، وربما يضعف هيبته من حيث لا يقصد. فالدفاع غير المؤسس لا يخدم الجهة، بل يعرّضها لسوء الفهم، ويجعلها أسيرة روايات لم تصدر عنها.

الحكمة تقتضي التمييز بين الرأي والمعرفة، وبين التحليل والتبرير. ليس كل ما يُرى يُفهم، ولا كل ما يُفهم يُقال. فالصمت حين تغيب الصورة الكاملة، أصدق من حديث يملأ الفراغ بوهم اليقين. وفي عالم سريع الاشتعال، تبقى المسؤولية الأخلاقية في الكلمة أعلى من بريق الانتشار؛ لأن الثقة، إذا تصدعت، لا يجبرها تفسيرٌ عابر، بل يرممها انضباط القول واحترام حدود المعرفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*