مقال | الرشد قبل إعادة الإرسال

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ تختصر فيه الشاشات المسافات، لا تزال العقول بحاجةٍ إلى ما هو أعمق من السرعة: إلى الرُّشد. فالإشاعة اليوم لا تُصاغ لتُصدَّق فقط، بل لتُتداوَل، وتستمد قوتها من عجلة الناس لا من دقتها. هنا يصبح الفرد شريكاً في صناعة الأثر، لا متلقياً بريئاً له.

الرشد عند تلقّي الإشاعة يبدأ بلحظة توقف. أن تقرأ دون أن تنجرف، وأن تشكّ دون أن تتهم، وأن تسأل قبل أن تُصدّق: من المصدر؟. ما الدليل؟. ولماذا الآن؟. فكل خبرٍ بلا سياق، مشروع تضليل، وكل معلومة بلا سند، عبءٌ على وعيك قبل أن تكون خطراً على غيرك.

ليس كل ما يُنشر يستحق أن يُعاد نشره. فإعادة الإرسال ليست ضغطاً عابراً، بل موقف. قد تُهدّئ نفوساً بمعلومة صحيحة، وقد تُربك مجتمعاً بخبرٍ زائف. وبين هذا وذاك يقف الرشد حارساً للكلمة، يمنعها أن تُقال في غير موضعها، أو تُنقل بغير تثبّت.

أما المجتمع الرشيد، فلا يكتفي بردّ الإشاعة، بل يُجفّف منابعها. يرفع منسوب الوعي، ويُعلي من قيمة المصادر الموثوقة، ويُقوّي جسور الثقة بين الناس ومؤسساتهم. فحين تتأخر الحقيقة، تتقدم البدائل، وغالبها لا يحمل من الحقيقة إلا اسمها.

إن أخطر ما في الإشاعة ليس مضمونها، بل توقيتها وأثرها. قد تُربك قراراً، أو تُشعل قلقاً، أو تُضعف ثقة. لذلك كان الرشد أن نُبطئ، أن نتحقق، أن نختار الصمت حين لا نملك اليقين، فالصمت أحياناً أصدق من ألف مشاركة.

في النهاية، الرشد ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف كيف تتعامل مع ما لا تعرفه. وأن تدرك أن وعيك مسؤولية، وأن كلمتك أمانة. فاختر أن تكون ميزاناً لا صدى، وبوصلةً لا تابعاً.

اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً.. يحفظ عقولنا من الانجراف، وكلماتنا من الزلل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*