مقال | كيف تصنع مسقط الكبرى مشهد التغيير القادم؟.

د. رجب بن علي العويسي|

يمثل مخطط “مسقط الكبرى” خياراً استراتيجياً لصناعة مشهد التغيير القادم في سلطنة عُمان، ليس على مستوى تطوير البنية الأساسية ، بل في إعادة تشكيل الصورة العصرية لمدينة المستقبل التي تجمع الأصالة بالمعاصرة. وفي ظل شكلها الجديد ونطاقها المكاني الواسع، تشكل مسقط الكبرى عاصمة إدارية واقتصادية وسياحية أكثر جذبا وكفاءة.

فعلى المستوى الاقتصادي، ونظراً لتركز الكثير من المشروعات الاقتصادية واللوجستية الواعدة في ولاية بركاء، والتي أصبحت ضمن مخطط مسقط الكبرى، فإن هذا التوجه سوف يفتح المجال أمام تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار الحضري والسياحي.

وعلى مستوى تحسين البنية الأساسية، يشكل تطوير شبكات الطرق، وتوسيع خدمات النقل العام، وبناء منظومة نقل ذكية، محطة مهمة في تحسين انسيابية الحركة المرورية ورفع جودة الحياة للسكان، كما أن إنشاء بنية حضرية متقدمة تعتمد على التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في إدارة المدينة والخدمات، سوف يجعل من مسقط بيئة أكثر جذباً للاستثمار والأعمال والسكان، فالخدمات الرقمية ستمنح القطاع الخاص فرصًا أوسع للنمو والابتكار، وتجعل منها مركزًا اقتصادياً متجدداً قادراً على استقطاب رؤوس الأموال، في ظل إنشاء مركز عُمان المالي العالمي ومدينة الذكاء الاصطناعي.

ومن حيث تعزيز البنية الإدارية بمعاييرها المتقدمة، فإن “مسقط الكبرى” يمكن أن تؤسس لنموذج أكثر كفاءة في بنية العواصم الإدارية الجديدة، والتكامل بين المؤسسات، وتسريع الإجراءات والخدمات، وتطوير الأحياء السكنية، بما ينعكس على جودة الأداء المؤسسي، وتقديم خدمات الكترونية مرنة وسريعة تواكب تطلعات الإنسان المعاصر.

ويعكس الجانب الاجتماعي والإنساني في “مسقط الكبرى” تحولات نوعية في أنسنة المدينة، خاصة مع تطوير الواجهات البحرية، والمناطق التجارية، والصناعيات، والمتنزهات، والمراكز الثقافية والترفيهية، الأمر الذي يعزز مكانة مسقط كوجهة سياحية عالمية، وبالتالي دمج هذا التغيير بالعمق الإنساني، بما يعزز الصحة النفسية والجسدية للسكان، ويجعل المدينة أكثر جذبًا للعيش والسياحة، والشعور بالسلام الداخلي والأمان والانتماء.

على أن ما أصلته مستهدفات رؤية عُمان والاستراتيجية العمرانية 2040 من ثوابت المحافظة على الهوية العُمانية والقيم المجتمعية الأصيلة، يلغي تخوف البعض من ذوبان الهوية والخصوصية في مشهد التغيير القادم، لتصبح مسقط الكبرى، بتنوعها الثقافي والحضري والبيئي والاحيائي، جسرا ممتدا تحتفظ فيه بروحها الثقافية والاجتماعية، وطابعها الجمالي والإنساني المتجسّد في الأحياء التراثية والثقافية والأسواق والمرافق العامة.

أخيراً، تبقى مسقط الكبرى نموذجًا تنموياً جديدا يعكس طموحات أجيال عُمان المستقبل، ويحافظ على خصوصيتها الثقافية والحضارية، وهو أمر لم يعد تحقيقه بحاجة إلى مطالبات السكان بالتطوير ومعالجة التحديات، بقدر ما يسري تلقائياً في حركة التفاعل الحكومية، وأنظمة العمل المؤسسية، وحضور الإنسان في أبجديات القرار، وموقع التطوير، ومسارات الإنجاز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*