د. قاسم بن محمد الصالحي|
في مقاله “عناية الاجيال بوطنها”، يقدّم الدكتور صالح الفهدي نصاً يبدو في ظاهره احتفاءً بثلاثة أصوات شابة، لكنه في عمقه قراءة ذكية لنبض المجتمع وهو يعيد تعريف ذاته. فالمقال لا يتوقف عند حدود الثناء، بل يتجاوزها ليؤسس لمقاربةٍ تقول إن الوعي ليس حكراً على جيلٍ دون آخر، وإن الشعور بالمسؤولية يمكن أن يتشكّل مبكراً حين تتوافر البيئة الحاضنة.
ما يلفت في الطرح ليس مضمون الردود فحسب، بل طريقة توظيفها؛ إذ يحوّلها الكاتب إلى مؤشرات دلالية على استمرارية القيم الاجتماعية، وفي الوقت ذاته على قدرتها على التكيّف مع تحولات العصر. هنا لا نتحدث عن “حنين” إلى مجتمعٍ مضى، بل عن محاولة لاستعادة روحه في سياقٍ مختلف، حيث تتزاحم المؤثرات وتتبدل أنماط العيش.
المقال يضع يده على مفصلٍ دقيق: التحول من مجتمع العلاقات إلى مجتمع الأفراد. لكنه لا يقدّم هذا التحول بوصفه قدراً محتوماً، بل كمسار يمكن مراجعته عبر أدوات بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها؛ كالسؤال، واللقاء، والمشاركة اليومية التي تعيد إنتاج الألفة. وفي هذا السياق، يبرز البعد الأسري بوصفه النواة الأولى التي تتشكل فيها هذه القيم، قبل أن تمتد إلى فضاءات المجتمع الأوسع.
ومن زاوية أخرى، يقدّم المقال دفاعاً ضمنياً عن القراءة بوصفها فعلًا مقاوماً للسطحية. فاختيار الشباب التفاعل مع نصٍ اجتماعي يشي بأن مساحات الوعي لا تزال قائمة، حتى وإن لم تكن صاخبة أو مرئية دائما. وهذا ما يفتح الباب أمام سؤالٍ أكبر: كيف يمكن استثمار هذا الاستعداد وتحويله إلى وعيٍ جمعي مستدام؟.
خلاصة القول، إن المقال لا يكتفي بوصف حالة، بل يلمّح إلى مشروع: إعادة ربط الأجيال بقضايا مجتمعها عبر الحوار، لا الوعظ؛ وعبر المشاركة، لا الوصاية. وهنا تحديدًا تكمن أهميته، ليس كنصٍ يُقرأ، بل كدعوةٍ لما يجب أن يُفعل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة