د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس ما نشهده اليوم ضجيج أزمات عابرة، بل تحوّل هادئ في عمق النظام الدولي. فالعالم لا ينقلب فجأة، لكنه يعيد ترتيب نفسه ببطء، طبقة فوق أخرى، حتى تتغير قواعده دون إعلان صريح. في هذا المشهد، تتراجع فكرة “الحماية المطلقة”، وتتصاعد أسئلة الاعتماد على الذات، والتوازن، وحسن قراءة المصالح.
في الشرق والغرب، تتكاثر الإشارات: دول تعيد حساباتها، وأخرى تخفّف اندفاعها، وثالثة تبحث عن موقع أكثر أمانًا بين القوى الكبرى. لا أحد يعلن القطيعة، لكن الجميع يعيد التموضع. لم تعد التحالفات تُفهم كضمانات نهائية، بل كعلاقات قابلة لإعادة التقييم عند أول اختبار حقيقي.
هذا التحول لا يعني أن العالم انقسم أو أن القوى الكبرى انسحبت، بل يعني أن “الاطمئنان القديم” لم يعد كافيًا. فالدول التي تبني أمنها على طرف واحد فقط، تكتشف مع كل أزمة أن الحماية ليست التزاماً مطلقاً، بل حسابات تتغير بتغير المصالح.
وفي خضم هذا التبدل، تتأكد قاعدة قديمة بصيغة جديدة: لا يكفي أن تملك حلفاء، بل يجب أن تملك قدرة ذاتية تُمكّنك من التوازن، لا المواجهة بالضرورة، ولكن من امتلاك قرارك حين تتعقد الخيارات. فالقوة لم تعد فقط في السلاح، بل في الاقتصاد، وفي الموقع، وفي القدرة على المناورة بين المسارات المختلفة.
المنطقة التي نعيش فيها ليست بعيدة عن هذا التحول، بل تقع في قلبه. ما يجري حولنا من تفاوض وتصعيد وتهدئة ليس سوى تعبير عن عالم يبحث عن توازن جديد، لا يُفرض من طرف واحد، ولا يُحسم بضربة واحدة، بل يتشكل عبر مسارات متداخلة، سياسية واقتصادية وأمنية.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة أو مجتمع، ليس التحديات نفسها، بل سوء قراءتها. فالتاريخ لا يعاقب من يواجه الأزمات، بل من يخطئ فهمها.
وحين يتبدّل العالم، لا يكون السؤال: من الأقوى؟ بل: من الأقدر على الفهم.. ومن الأجدر بالبقاء داخل المعادلة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة