مقال | انتصارٌ مؤقت للعقل

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوتر، حيث كانت كفة التصعيد تميل بثقلها نحو مواجهة مفتوحة، جاءت مهلة الأسبوعين كوقفة تأمل نادرة في مسار يتسارع عادةً نحو الخطأ. لم تكن هذه المهلة إعلان سلام، ولا حتى بداية تسوية، لكنها بدت كأنها انتصار مؤقت للمنطق السليم في زمن تغلب فيه الانفعالات على الحسابات.

فالمنطقة، التي خبرت كلفة الحروب أكثر مما اختبرت ثمارها، لم تعد تحتمل جولة جديدة من الصدامات التي لا تُبقي ولا تذر. كل مواجهة تُفتح، تتسع دوائرها خارج السيطرة، لتطال الاقتصاد والمجتمع والإنسان، وتعيد تشكيل الأولويات بعيداً عن التنمية والاستقرار. من هنا، تبدو الدبلوماسية -رغم بطئها- الخيار الأكثر واقعية، لأنها وحدها القادرة على إدارة التعقيد دون تفجيره.

إن الحوار ليس بديلاً عن القوة، بل هو تعبير أرقى عنها. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقدرة الدول على خوض الحروب، بل بقدرتها على تجنبها. وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتضيق فيه المسافات، يصبح أي قرار بالتصعيد مقامرة مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها.

مهلة الأسبوعين، في هذا السياق، ليست سوى فرصة. فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وفتح قنوات مغلقة، واستعادة لغة غابت طويلاً تحت ضجيج السلاح. لكنها أيضاً اختبار حقيقي: هل تملك الأطراف ما يكفي من الحكمة لتحويل هذا التوقف المؤقت إلى مسار دائم؟.

المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من استعراض القوة، بل إلى شجاعة مختلفة، شجاعة الاعتراف بأن الحلول العسكرية، مهما بدت مغرية، لا تنتج استقراراً، وأن التفاهم، مهما كان صعباً، يبقى أقل كلفة من المواجهة.

في النهاية، قد لا يكون السلام خياراً مثالياً، لكنه الخيار الوحيد الذي يضمن أن يبقى الجميع على الطاولة، لا خارجها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*