مقال | حين تضيق الجغرافيا وتتّسع الحكمة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظةٍ إقليمية تتكاثر فيها بؤر التوتر، وتتشابك فيها الأزمات حتى تبدو كأنها قدرٌ لا فكاك منه، تعود عُمان لتؤكد أن الجغرافيا ليست دائماً ساحة صراع، بل قد تكون مساحةً لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب المعادلات. هنا، لا تُقاس السياسة بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على خفضه.

الدبلوماسية العُمانية ليست ردّ فعلٍ على اشتعالٍ عابر، بل نهجٌ راسخ يقوم على إدراكٍ عميق بأن التصعيد، مهما بدا مغرياً، يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. ومن هذا الفهم، تنطلق مسقط في مقاربةٍ هادئة، تُبقي خطوط التواصل مفتوحة حتى في أكثر اللحظات تعقيداً، وتُدير التباينات بعقلٍ بارد في بيئةٍ حارّة.

في إقليمٍ تتنازعه الاصطفافات الحادة، اختارت عُمان موقعاً مختلفاً: حيادٌ فاعل لا ينسحب من المشهد، بل ينخرط فيه دون أن يفقد توازنه. حيادٌ يمنحها القدرة على مخاطبة الجميع، لا من موقع القوة الصلبة، بل من رصيد الثقة الذي تراكم عبر سنوات من الاتزان والوفاء بالالتزامات.

ليست عُمان في سباقٍ لإثبات الحضور، لأنها تدرك أن الحضور الحقيقي يُقاس بالأثر لا بالضجيج. لذلك، حين تتعطل القنوات، وتتعقد المسارات، تتحول مسقط إلى نقطة التقاء، حيث تُصاغ الحلول بعيداً عن الأضواء، وتُبنى التفاهمات قبل أن تتآكل فرصها.

إن العبارة المتداولة “إذا اشتدت بكم المحن عليكم بعُمان” لم تأتِ من فراغ، بل من تجربةٍ أثبتت أن هناك دائماً خياراً آخر غير الانفجار. خيارٌ يراهن على الحكمة، ويؤمن بأن كل صراع، مهما طال، سينتهي إلى طاولة حوار.

في زمن الانفعال، تبدو عُمان كأنها تمشي عكس التيار، لكنها في الحقيقة تمضي نحو ما بعد العاصفة.. حيث لا يُعاد بناء المنطقة بالقوة، بل بالعقل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*