د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس أشد قسوة من مشهد إنسانٍ يرفع يده على أخيه، ثم يلتفت إلى الأرض التي يقف عليها فلا يجد فيها إلا آثار ما صنع: غبار خصومة، وخراب نوايا، وندوب لا تُرى إلا حين تصمت الضوضاء، كأن الإنسان كلما اشتد صخبه، ضاق صدر المكان به، فتتراجع الطمأنينة إلى أطراف المشهد، وتبقى القسوة وحدها في المنتصف.
نختلف، نعم، ولكننا في زمنٍ صارت فيه الخلافات كالنار في هشيمٍ يابس، لا تُبقي ولا تذر. نُخاصم حتى ننسى وجوهنا الأولى، ونُجادل حتى نُبدد ما بقي من ملامح الرحمة فينا. المدن التي بُنيت لتسكنها القلوب، تحولت إلى ساحات شدٍّ وجذب، والبيئة التي خُلقت لتكون مأوى للسكينة، صارت مسرحاً لصراعاتٍ لا تنتهي. كأن الإنسان لم يكتفِ بما في داخله من اضطراب، فراح يزرعه في الأرض أيضاً.
لكن..
في لحظةٍ لا يُعلن عنها أحد، تتبدل اللغة.. تهطل السماء.. لا تسأل من أخطأ، ولا تُحصي من أفسد، ولا تُفرّق بين من خاصم ومن صالح.. تنزل الرحمة كما هي: صافية، متساوية، تُلامس اليابس قبل الأخضر، وتُعيد ترتيب العلاقة القديمة بين الإنسان والمكان.. أول قطرة لا تُبلل التراب فقط، بل تُوقظ في القلب شيئاً من حيائه المنسي.. ومع كل انسيابٍ للماء، كأن الأرض تقول لنا بهدوءٍ عميق: ما أفسدتموه، يمكن أن يُرمم.. لو أردتم.
وما بين قطرةٍ وأخرى، تتسلل إلى الروح نغمة شكرٍ خافتة، تكبر شيئاً فشيئاً حتى تمتلئ بها الصدور:
الحمد لله.. على غيثٍ يحيي الأرض، وعلى وطنٍ لم تُغادره الطمأنينة، وعلى أمنٍ يسكن تفاصيل الحياة دون ضجيج.. ننظر إلى السماء فنراها لا تمنحنا الماء فقط، بل تُذكرنا بما نحن فيه من نعمٍ لا تُعد ولا تُحصى؛ نعمٌ قد نغفل عنها في زحمة الاختلاف، لكنها تعود فتُعلن حضورها مع أول مطر.. المطر لا يوبّخ، لكنه يُذكّر.
يُذكرنا بأن الرحمة ليست غائبة، وأن الأرض التي تحتمل أخطاءنا، ما زالت قادرة أن تغفر آثارها، إذا عدنا نحن إلى شيءٍ من صفائنا.. فجأة، يخرج الناس من ضيقهم إلى فسحة السماء، يرفعون أكفّهم، تبتسم وجوههم، وتلين الكلمات التي كانت قبل قليلٍ قاسية.
هكذا تفعل الرحمة حين تنزل:
لا تغيّر العالم بضربةٍ واحدة، لكنها تُعيد إليه توازنه، وتفتح نافذةً في جدار القسوة، ليدخل منها ضوءٌ كافٍ كي يرى الإنسان نفسه من جديد.
وفي بلادٍ أنعم الله عليها بالأمن والأمان، يصبح المطر أكثر من غيث.. يصبح رسالة طمأنينة، وعهداً متجدداً بأن الخير باقٍ ما بقي الشكر حاضراً في القلوب..
لعل المشكلة لم تكن يوماً في قلة المطر.. بل في قسوة القلوب التي نسيت كيف تقول:
الحمد لله على ما أعطى، وعلى ما ستر، وعلى ما أنعم به من خير السماء وسكينة الأرض.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة