مقال| حين تُدار الحقيقة.. وتُحكم السردية

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ لم تعد فيه الحقيقة تُقاس بصلابتها، بل بقدرتها على الانتشار، تنشأ سردياتٌ تُصاغ لا لتُقنع، بل لتُربك. يُلقى الادعاء في الفضاء العام، ثم يُعاد تدويره حتى يكتسب ملامح الواقع، لا لأنه صادق، بل لأنه حاضر بكثافة تُزاحم الحقيقة حتى تخنقها.

في مشهد المواجهة المحتدمة مع قوة إقليمية صلبة، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح. تُرفع السقوف إلى أقصاها: تهديدات حاسمة، ووعود بردع شامل، وصور لقوة لا تُقهر. لكن ما بين السطور، تتكشف معادلة أكثر تعقيداً؛ فالسردية هنا لا تستهدف الخصم فقط، بل تُوجَّه أيضاً للداخل، لتثبيت صورة السيطرة، وللحلفاء، لطمأنتهم دون الانزلاق إلى التزامات مكلفة.

تُبنى الحكاية بعناية: تضخيم لقدرة الفعل، وتقليل لكلفة الرد، وتبسيط لمسارات صراعٍ شديد التعقيد. ومع كل تكرار، تتحول الرواية من احتمال إلى “يقين سياسي”، حتى وإن بقيت على الأرض رهينة حسابات دقيقة لا تحتمل الاندفاع. هنا، لا تكون الكذبة مجرد انحراف عن الحقيقة، بل أداة لإدارة التوازن، تُستخدم لشراء الوقت، أو لفرض إيقاع تفاوضي، أو لردعٍ نفسي يتقدم على الردع العسكري.

غير أن هذه اللعبة تحمل في طياتها مفارقة خطرة؛ فحين تُبنى القرارات على سرديات مُتخيلة أكثر من معطيات واقعية، يصبح صانعها أسيرها. وعند أول اختبار ميداني، قد تنكشف الفجوة بين القول والفعل، فتتحول السردية من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي.

وهكذا، لا تعود المسألة في من قال الحقيقة، بل في من نجح في إدارتها.. ومن سيدفع ثمنها حين تصطدم بالواقع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*