د. قاسم بن محمد الصالحي|
الليل على مضيق هرمز كان ثقيلاً، والمياه تتلاطم كأنها تعرف سراً لا يعلمه العالم. عشرون في المئة من نفط الكرة الأرضية يمر هنا، وكل برميل يهمس بسؤال واحد: من يسيطر على الطريق؟. في طهران، العيون تراقب كل تحرك أمريكي، تقيس قدرة الخصم على الصمود، وعلى الجانب الآخر، في واشنطن، تحاول التحليلات المالية والعسكرية توازن التوقعات مع المخاطر.
تخيل بريطانيا 1956: القوة العظمى، الجنيه، البحار كلها تحت سيطرتها، تعتقد أن قناة السويس ملك لها إلى الأبد. فجأة، قالت مصر «كفى»، وقالت أمريكا «كفى»، وقال السوفيت «كفى». انهارت الهيمنة، وانهار الجنيه، وبدأت الإمبراطورية بالانزلاق نحو المجهول. درس خالد: ليست القوة وحدها ما يكتب التاريخ، بل تصور العالم لقدرتها، والثقة التي تُفقد في لحظة.
اليوم، مضيق هرمز يحمل نفس الدرس. إيران ترفع كلفة المواجهة تدريجياً، تضع أمريكا أمام اختبار القدرة على التحمل الطويل، وتعيد رسم قواعد الردع. كل مناورة، كل تهديد، يحمل انعكاساً على الأسواق، على الحلفاء، وعلى استقرار المنطقة بأكملها.
الدراما ليست في الضربات، بل في السهول التي قد تُدفن تحت تصارع الجبال، في الثقة المفقودة، وفي الاقتصاد المرتجف. هنا تبرز عُمان: وساطة هادئة، عقلانية، قدرة على التهدئة قبل انفجار الأزمة، تفتح سبيل الحكمة وسط صخب القوة. مضيق هرمز ليس نهاية أمريكا بعد، لكنه مرآة لقوتها وموثوقيتها، ودرس حي لكل من يظن أن القوة وحدها تكفي لكتابة التاريخ.
في هذا المشهد، كل موجة، كل سفينة تمر، وكل برميل نفط، يصبح شاهدًا على درس قديم: الإمبراطوريات تنهار حين تضيع الثقة، والقوة بلا حكمة تتحول عبئاً، والمهارة في إدارة الأزمة هي ما يحمي السهول من أن تُدفن تحت الجبال.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة