مقال | أنسنة مراكز الولايات وحواضرها… رافعة للتنمية الشاملة والمتوازنة

د. ناصر بن علي الجهوري|

تشهد سياسات التخطيط الحضري في العالم تحوّلاً متزايداً نحو جعل الإنسان محور التنمية، بعد أن أثبتت التجارب أن جودة المدن تُقاس بمدى قدرتها على توفير بيئة مريحة وآمنة ومحفزة للحياة اليومية. ومن هنا برز مفهوم أنسنة المدن (Humanizing Cities)، الذي يركز على تصميم الفضاءات الحضرية بما يلبي الاحتياجات الجسدية والنفسية والاجتماعية للإنسان، ويعزز جودة الحياة والاستدامة والتنمية المتوازنة.

وتؤكد التجارب الدولية أن المدن المصممة وفق مقياس الإنسان تحقق مستويات أعلى من الاستقرار الاجتماعي والجاذبية الاستثمارية والسياحية. فالاهتمام بالمماشي، والحدائق العامة، والواجهات الجمالية يمثل استثماراً طويل الأمد في صحة المجتمع وحيويته التنموية. ويشير المعماري يان جيل (Jan Gehl) إلى أن نجاح المدن يُقاس بمدى جودة فضاءاتها العامة، لأنها تمثل القلب النابض للحياة الاجتماعية فيها.

وفي سلطنة عُمان، يمكن أن تمثل أنسنة مراكز الولايات وحواضرها فرصة واعدة لتحسين جودة الحياة، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز الجاذبية السياحية، مع الحفاظ على الهوية العمرانية العُمانية. فالعناية بالمماشي، والحدائق، والتشجير، تسهم في تعزيز الجمال البصري، وتوفير فضاءات حضرية تشجع على التفاعل الاجتماعي والنشاط البدني، وهو ما أصبح اليوم أحد أهم معايير جودة الحياة في المدن.

وقد بدأت ملامح هذا التوجه تظهر في عدد من النماذج المحلية الناجحة، مثل شاطئ القرم، والممشى الأخضر بالمعبيلة، وممشى اليوبيل الذهبي بالموالح الجنوبية، وممشى حارة الشيخ بولاية وادي المعاول. فهذه الفضاءات الحضرية المنظمة تحولت إلى نقاط جذب مجتمعية تعزز ممارسة الرياضة، وتشجع اللقاءات الاجتماعية، وتضفي حيوية على الحياة اليومية للسكان. وتؤكد هذه النماذج أن الاستثمار في الفضاءات العامة المصممة وفق احتياجات الإنسان هو استثمار مباشر في رفاه المجتمع وحيوية الاقتصاد المحلي.

واليوم، أصبح الجمال الحضري أحد المحركات الاقتصادية المهمة. فالمدن التي تمتلك المرافق المقامة وفق مفهوم الأنسنة تتحول إلى فضاءات نابضة بالحياة، وتستقطب الأنشطة التجارية والثقافية، وتوفر فرصاً واعدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ومن هذا المنطلق، يمكن لتطوير مراكز الولايات وحواضرها وفق هذا النهج أن يحولها إلى وجهات حضرية حيوية يقصدها الجميع، بما ينسجم مع توجهات رؤية عُمان 2040 نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز التنمية المحلية المستدامة.

ويمتاز هذا النوع من المشاريع بأنه منخفض التكلفة نسبياً، وسريع الأثر في حياة المجتمع، وعالي العائد من حيث تحسين جودة الحياة وتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية. كما يتيح إبراز الهوية الثقافية، وتنظيم الفعاليات التي تعزز الترابط الاجتماعي.

إن المرحلة القادمة من التنمية في سلطنة عُمان تستدعي مزيداً من الاهتمام بهذا النوع من المبادرات الحضرية الذكية التي تضع الإنسان في قلب عملية التخطيط، وتُحسن شكل الفضاء العام ووظيفته، وتفتح في الوقت ذاته آفاقاً اقتصادية جديدة.

ولنجاح هذه الرؤية، لا بد من خطة متكاملة، وتنسيق فعّال بين الجهات المعنية، وإشراك المجتمع، مع الحفاظ على الطابع العمراني والهوية الوطنية. وعند تحقق ذلك، يمكن لمراكز الولايات وحواضرها أن تتحول إلى فضاءات نابضة بالحياة ومراكز جذب اقتصادي وثقافي وسياحي، تسهم في تنمية متوازنة ومستدامة. فالمدن الناجحة هي التي تتسع للحياة الإنسانية، ويغدو الاستثمار فيها استثماراً في المجتمع ومستقبله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*