د. قاسم بن محمد الصالحي|
في لحظات الصراع الحادّ تميل الدول إلى الاعتقاد بأن فائض القوة قادر على إعادة ترتيب التاريخ، وأن التفوق العسكري يمكنه أن يفرض نهاية سريعة لحكايات الشعوب. غير أن تاريخ هذه المنطقة يقول شيئاً مختلفاً تماماً؛ فهنا، على امتداد قرون طويلة، تعلّم الشرق الأوسط درساً يتكرر كلما ظنّت قوة ما أنها بلغت ذروة القدرة: القوة قد تنتصر في اللحظة، لكنها لا تنتصر دائماً في الزمن.
هذه الأرض ليست مجرد مسرح للصراع العسكري، بل فضاء تاريخي كثيف تتداخل فيه الذاكرة الدينية والهوية الحضارية والعمق الاجتماعي. ولذلك فإن كثيراً من المشاريع التي قامت على التفوق العسكري بدت في بداياتها وكأنها قادرة على إعادة تشكيل المنطقة، لكنها مع مرور الوقت اصطدمت بصلابة المجتمعات وبقدرة الشعوب على إعادة إنتاج ذاتها مهما اشتدت الضغوط.
في هذا السياق، يمكن قراءة موقع الكيان المحتل “اسرائيل” في المشهد الإقليمي. فهي تمتلك بلا شك قوة عسكرية متقدمة، وتفوقاً تقنياً واضحاً، وشبكة دعم دولي واسعة مكّنتها من فرض وقائع قاسية في أكثر من محطة. غير أن ميزان القوة، مهما بلغ، يظل جزءاً من معادلة أكبر اسمها التاريخ.
فالكيان المحتل “إسرائيل”، رغم قدراتها، تبقى دولة صغيرة في جغرافيا واسعة، ومشروعاً سياسياً يعيش داخل فضاء بشري وثقافي وتاريخي أكبر بكثير من حدود القوة العسكرية. وهذا لا يعني التقليل من وزنها أو تأثيرها، بل يعني إدراك أن فائض القوة لا يلغي حقائق الجغرافيا ولا يطوي ذاكرة الشعوب.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن القوة حين تتجاوز حدودها الطبيعية تتحول من أداة استقرار إلى مصدر توتر دائم. فكل محاولة لإخضاع المجتمعات بالقوة تزرع في الوقت ذاته بذور صراع طويل، لأن الشعوب قد تتراجع أحياناً، لكنها لا تتخلى بسهولة عن سرديتها التاريخية.
ولهذا فإن الحكمة السياسية في هذه المنطقة لم تكن يوماً في تعظيم القوة بقدر ما كانت في فهم حدودها. فالتاريخ الذي شهد سقوط مشاريع كبرى يذكّر الجميع بحقيقة بسيطة: قد تنتصر الجيوش في معركة، لكن الشعوب هي التي تكتب النهاية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة