د. ناصر بن علي الجهوري|
لم يعد الذكاء الاصطناعي في قطاع السياحة أداة تقنية مساندة للعمليات التشغيلية، بل تحوّل إلى رافعة تنموية تعيد صياغة أساليب التخطيط، واتخاذ القرار، وصناعة التجربة السياحية.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «مسرّعات مهارات الذكاء الاصطناعي» بوصفه الحلقة المثالية التي تربط بين الإمكانات التقنية المتقدمة وتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المستدام، لا سيما في الدول ذات المقومات السياحية الغنية، ومن بينها سلطنة عُمان.
ولا يقتصر هذا المفهوم على التدريب التقني أو استخدام الأدوات الرقمية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة من الفهم التحليلي، وتوظيف البيانات، واتخاذ القرار القائم على التنبؤ، وربط التقنية بالسياق الاقتصادي والثقافي المحلي.
وتطبيق هذا التوجه في التنمية السياحية يعني الانتقال من إدارة السياحة كنشاط موسمي أو ترويجي، إلى إدارتها كنظام ذكي متكامل يعتمد على تحليل البيانات، وفهم أنماط الحركة السياحية، والتنبؤ بالطلب. وحين يُدار الذكاء الاصطناعي بكفاءات وطنية مؤهلة، فإنه يمكّن من توجيه الاستثمارات نحو المنتجات الأعلى عائداً، وتحقيق توازن واعٍ بين الجذب السياحي وحماية الموارد الطبيعية والتراثية.
وتُظهر التجارب الدولية أن الاستثمار في مسرّعات المهارات يحقق أثراً ملموساً، حيث أسهم توظيف تحليلات الذكاء الاصطناعي المدعومة ببناء القدرات البشرية في تحسين إدارة التدفقات السياحية، ورفع متوسط إنفاق السائح، وتقليل الضغط على المواقع البيئية الحساسة.
وفي السياق العُماني، تتضاعف أهمية هذا التوجه مع تنوّع المنتج السياحي بين الطبيعي والثقافي والبحري وسياحة المغامرات. ويمكن للذكاء الاصطناعي، حين يُدعّم بمهارات بشرية متقدمة، أن يسهم في تصميم مسارات سياحية ذكية، وتوزيع التدفقات بما يعزز استفادة المجتمعات المحلية، ويتقاطع مع مبادئ الاستدامة التي تؤكد عليها رؤية عُمان 2040.
كما يعيد هذا التحول تشكيل أدوار العاملين في القطاع السياحي، لينتقلوا من أداء مهام تشغيلية إلى محللي بيانات وصنّاع قرار، يسهمون في تطوير المنتج السياحي استناداً إلى مؤشرات قابلة للقياس، بما يرفع إنتاجية القطاع وجودة خدماته وقدرته التنافسية.
غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهوناً بوضوح الرؤية المؤسسية، وبالتكامل بين الجهات الحكومية، والمؤسسات التعليمية، والقطاع الخاص، إذ لا تؤتي مسرّعات المهارات ثمارها إذا عُزلت عن السياسات العامة أو عن الاحتياج الفعلي للقطاع.
وتعزيز هذا المسار يستدعي إنشاء منصات وطنية موحّدة للبيانات السياحية، تُدار بمعايير حوكمة واضحة، وتغذّيها الجهات كافة، بما يمكّن الذكاء الاصطناعي من إنتاج رؤى دقيقة، وتحويل التخطيط السياحي من اجتهاد تقديري إلى قرار مبني على المعرفة الوطنية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن مستقبل السياحة في سلطنة عُمان لن يُقاس بعدد السياح أو حجم الإيرادات فقط، بل بمدى نضج منظومة المهارات الوطنية القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي بوعي ومسؤولية. فمسرّعات مهارات الذكاء الاصطناعي تمثل فرصة استراتيجية للانتقال إلى سياحة ذكية تُدار بالمعرفة، وتُقاد بكفاءات وطنية تستبق التغيرات وتصنع المستقبل، لا تكتفي بالتفاعل معه.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة