د. قاسم بن محمد الصالحي
في رحاب عُمان، حيث تمتد الجبال والصحارى والبحار، يعيش الإنسان اليوم بين عالمين متوازيين: عالم المادة المتدفقة من شاشات التقنية، وعالم الفطرة التي تنبض به منذ أول يوم عرف فيه قلبه الخير والحق. عالمنا الحديث مليء بالمعلومات، بالفرضيات العلمية، بالتطبيقات الرقمية، وبأخبار تتسارع كالريح، فتختلط الماديات بالروح، ويغدو الفطرة وكأنها غدة صغيرة مختبئة خلف غلاف كثيف من الألوان والإشارات والأرقام.
الانشغال بالماديات هنا لا يقتصر على المال أو الممتلكات، بل يمتد إلى المعرفة الرقمية، العلم المليء بالفرضيات، والتقنيات التي تحملنا في رحلة غير متناهية من المعلومات، تجعلنا ننسى أحياناً ما هو جوهري. فالدين، حين يمر عبر هذه الوسائط، قد يبدو كواجهة لرسالة أعمق، لكنه يتعرض لتأويلات لا تنتهي، وتفسيرات تتراوح بين المضمون والسطحي، فتغدو الفطرة مغلفة بما يشبه عباءة خارجية، لا تلمس القلب إلا بصعوبة.
في المدن والقرى العمانية، بين أسواق مسقط القديمة وواحات الباطنة، وبين هدوء الجبال ومسير القوافل التاريخية، يلتقط الإنسان كل يوم كماً هائلاً من الماديات. الصور المتدفقة من الشاشات، الفرضيات العلمية، الأخبار، التطبيقات، وحتى بعض النصوص الدينية، كلها تمر كالريح على أعصاب المجتمع، تغطي الفطرة ولا تترك لها فرصة للتنفس الحر. نركض خلف المعرفة والتقنية، وننسى أن المعرفة بلا ضمير، وأن التقنية بلا حكمة، تصبح مجرد ضوضاء، وأن الدين بلا فطرة يصبح صورة خالية من الروح.
لكن عُمان تعلمنا الصبر، والتمسك بالجوهر، فهي الأرض التي تزرع في الإنسان وعيه بالفطرة منذ الصغر: حب الجار، احترام الكبير، التواضع أمام الطبيعة، والعيش وفق مبادئ العدل والاعتدال. الفطرة هنا ليست مجرد شعور فردي، بل هي شبكة رقيقة تربط المجتمع، تجعل الإنسان يعيش حقيقياً وسط التحولات العالمية. ما يحتاجه اليوم شباب عمان، وما يحتاجه مجتمعنا، هو استدعاء هذا الوعي في كل لحظة، كي لا يغرق الفرد في المادة وحدها، ويظل قلبه صافيًا، صادقاً، واعياً بما يحدث حوله.
العلم والتقنية ليسا عدواً للفطرة، بل أدوات إذا أحسنا استخدامها، يمكن أن تخدم جوهر الإنسان. أما إذا تُركت بلا وعي، فإنها تصنع غلافاً كثيفاً، يلهينا عن السؤال البسيط: من أنا؟. وما الذي يجعل حياتي ذات معنى؟. المجتمع العماني أمام تحدٍّ مزدوج: الاستفادة من العلم والمعرفة الرقمية، مع الحفاظ على جذوره وهويته وروحه، وجعل المادة خادمة للفطرة، لا سيطرة عليها.
الوعي، إذن، هو ما يمنح الإنسان الحرية الحقيقية؛ حرية التفكير، وحرية الشعور، وحرية اختيار ما يصل إلى قلبه، لا ما يفرضه العالم الخارجي من فرضيات وأرقام وصور. والتوازن بين المادة والفطرة هو ما يجعل الإنسان قادراً على مواجهة التحولات العالمية بثقة، وعلى بناء مجتمع متماسك، يحافظ على هويته، ويستثمر العلم والتقنية في خدمة الروح والجوهر الإنساني.
في النهاية، بين شاشات الهواتف وأبراج التقنية، وبين فرضيات العلم وسرعة الأخبار، يبقى القلب العماني متشبثاً بالفطرة، غدة صغيرة لكنها حيّة، تنبض بالوعي، وتذكرنا بأن الإنسان ليس ما يملكه أو يقرأه، بل ما يحتفظ به في قلبه من ضمير وروح، وما يزرعه في مجتمعه من قيم، تجعل من المادة وسيلة، ومن الفطرة هويته الحقيقية، ومن العلم قوة لا تهزم الروح، بل تعليها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة