د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليس المجتمع كياناً جامداً، بل كائن حيّ، يتنفّس من وعي أبنائه، ويشيخ أو ينهض بقدر ما يملكون من بصيرة. وفي الأزمنة المزدحمة بالأسئلة، لا يكون المطلوب من المجتمع أن يصرخ أعلى، بل أن يصغي أعمق؛ أن يُنصت لما وراء الضجيج، حيث تتكوّن المعاني قبل أن تتحول إلى مواقف.
التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم لا تأتي في صورة خصم واضح الملامح، بل كتيار خفيّ، يختبر ثبات القيم، ويُربك البوصلة، ويغري بالحلول السهلة. وهنا، لا تكون الحكمة في سرعة الحركة، بل في سلامة الاتجاه. فكم من مجتمعٍ اندفع فتعثر، وكم من مجتمعٍ تأنّى فعبر.
المجتمع الواعي لا يُدار بالخوف، ولا يُبنى على القلق. الخوف قد يوحّد لحظة، لكنه لا يصنع مستقبلًا. ما يصنع المستقبل هو المعنى المشترك؛ ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط الفرد بالجماعة، ويجعل الاختلاف ثراءً لا انقسامًا، وتنوّعًا لا تصدّعاً. فحين يعرف الناس لماذا يقفون معًا، يقلّ خلافهم حول كيف يقفون.
ليس المطلوب من المجتمع أن يكون متشابهًا، بل متفاهمًا. أن يتقن فنّ الاختلاف بأدب، وفنّ الاتفاق بتواضع. فالتماسك لا يعني غياب التباين، بل القدرة على احتوائه دون أن يتحول إلى خصومة، ودون أن يُستدعى كذريعة لهدم المشترك. الحكمة الجمعية هي أن نختلف تحت سقف واحد، لا أن نبحث عن سقوف بديلة عند أول ريح.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، يصبح الوعي أخلاقًا قبل أن يكون معرفة. أخلاق الحديث، وأخلاق الموقف، وأخلاق المسؤولية عن الكلمة. فالكلمة، حين تُقال بلا روية، قد تفتح بابًا يصعب إغلاقه، وحين تُقال بحكمة، قد تكون جسرًا يعبر عليه الجميع. ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يخدم الصالح العام.
المجتمع القوي هو الذي لا يُستفز بسهولة، ولا يُستدرج إلى معارك جانبية. يعرف أن بعض الضجيج صُنع ليُشتّت، وأن بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن انقسام. لذلك، يختار معاركه بعناية، ويحفظ طاقته لما يستحق، ويؤمن أن البناء الهادئ أطول عمرًا من الردود المتعجلة.
كما أن الحكمة الجمعية تقتضي أن يُنظر إلى المستقبل بوصفه مسؤولية مشتركة، لا وعدًا مؤجلًا. المستقبل لا يُمنح، بل يُهيّأ له. يُهيّأ بتربية تُعلّم المعنى قبل المهارة، والانتماء قبل الادّعاء، والعمل قبل الشكوى. فالأجيال لا تحتاج فقط إلى أدوات العصر، بل إلى بوصلة تُرشدها وسط زحام الخيارات.
وحين تضيق المساحات، يتسع الدور للأخلاق العامة: احترام النظام، تقدير الجهد، الإيمان بأن المصلحة العليا ليست فكرة مجرّدة، بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط التفاصيل. فالأوطان لا تُحفظ بالشعارات، بل بسلوكٍ هادئ، متراكم، يشبه الماء حين يشقّ الصخر دون ضجيج.
في النهاية، المجتمع الذي يعبر التحديات ليس ذاك الذي يظن نفسه كاملًا، بل ذاك الذي يعرف كيف يُصلح نفسه دون أن ينكسر، وكيف يُراجع مساره دون أن يفقد ثقته بذاته. مجتمع يتقدّم لا لأنه بلا أخطاء، بل لأنه يمتلك شجاعة التعلم منها.
تلك هي الحكمة الجمعية: أن نمشي معًا، بخطى واثقة، وقلوب مطمئنة، نعرف أن الطريق ليس سهلًا، لكنه يستحق، وأن العبور لا يكون بالقفز فوق الواقع، بل بفهمه.. ثم تجاوزه.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة