مقال | حين يمشي التغيير على مهل وتختبر الجذور صبرها

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست عُمان في صخب التحوّل، بل في همسه. تمشي على تخوم زمن جديد دون أن تقطع الحبل السري الذي يربطها بذاكرتها، لكن الهمس – حين يطول – قد يكون أشد وقعاً من الضجيج. فما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة، بل لحظة اختبار طويلة، تُقاس فيها قدرة المجتمع على أن يتغيّر دون أن يتبدّد، وأن يتقدّم دون أن يفقد ظله.

في الاقتصاد، تبدو الحكاية كمن ينتقل من ظل وارف إلى شمس مفتوحة. لم تعد الموارد القديمة تكفي، ولا الأنماط السابقة قادرة على الاحتمال. يُطلب من المجتمع أن يعمل بطريقة أخرى، وأن يغامر أكثر، وأن يراهن على نفسه. غير أن الاقتصاد ليس أرقاماً فحسب، بل شعور بالأمان، وإحساس بالعدالة، وثقة متبادلة بين الفرد والدولة. وحين يتقدّم التحوّل أسرع من الطمأنينة، يتسلّل القلق إلى النفوس، لا صراخاً، بل صمتاً طويلاً.

وفي هذا الصمت يقف الشباب، كمن يقف على شاطئين في آن واحد. خلفه تاريخ من الاستقرار والتكافل، وأمامه عالم سريع لا ينتظر المترددين. يُقال له: المستقبل لك، لكن الطريق غير ممهد. يُطلب منه أن يكون مرناً كالماء، صلباً كالصخر، مستقلاً دون أن يُرهق الجماعة، ومغامراً دون أن يخطئ. وحين يعجز عن الجمع بين هذه المتناقضات، لا يثور، بل ينسحب قليلاً إلى داخله، باحثاً عن معنى لا يخذله.

اجتماعياً، تتحرّك البيوت بهدوء. تتغيّر أنماط العيش، وتضيق المجالس، وتتحوّل العلاقات من حضور دافئ إلى رسائل عابرة. ليس لأن القلوب قست، بل لأن الإيقاع تسارع. المجتمع الذي كان يلتقي بالفطرة، صار يحتاج إلى موعد. والذي كان يتكافل دون حساب، صار يحسب خوفًا من الغد. وهنا لا تنهار الروابط، لكنها تضعف، كما يضعف الحبل حين يُشدّ أكثر مما يحتمل.

أما القيم، فهي أشبه بالماء الجاري تحت الأرض. لا نراها، لكن غيابها يُجفف كل شيء. لا أحد يطالب العُماني بالتخلّي عن قيمه، لكن كثيرًا ما يُقال له – دون قول – أن يضعها جانبًا حين تعيق السرعة، أو تعقّد المنافسة، أو تُبطئ الاندماج. تُختصر القيم في المناسبات، وتُستبعد من القرار اليومي، حتى يبدو التمسك بها نوعًا من المثالية الثقيلة، لا ضرورة للحياة.

ثقافياً، تقف عُمان أمام مرآة العالم المفتوح. ترى صوراً كثيرة للحياة، وأنماطًا متعددة للنجاح، ومقاييس جاهزة للسعادة. ومع تكرار النظر، يبدأ السؤال الصامت: هل ما نحن عليه كافٍ؟. هنا لا تُلغى الثقافة، لكنها تتراجع خطوة إلى الخلف، تاركة المجال لثقافة كونية لا تعرف المكان، ولا تفهم الخصوصية، ولا تصبر على البطء العُماني الجميل.

هذه ليست مرثية، ولا تحذيراً مذعوراً. إنها حكاية تُروى بهدوء، لأن الخطر الحقيقي لا يأتي بالعنف، بل بالتعوّد. التحدي ليس في أن تتغيّر عُمان، فالتغيير سنة الحياة، بل في أن تعرف كيف ولماذا وإلى أين. الفرق دقيق بين تغيير يُدار بوعي، وتغيّر يحدث حين نكتفي بالمجاراة.

شباب عُمان ليسوا مطالبين بأن يحملوا العالم على أكتافهم، بل أن يحملوا السؤال في عقولهم. أن يسألوا قبل أن يندمجوا، وأن يفهموا قبل أن يقلّدوا، وأن يدركوا أن المستقبل لا يُستعار، بل يُبنى حجراً فوق حجر، على أرض تعرف أسماء أهلها.

في هذه اللحظة الهادئة، تحتاج عُمان إلى أن تُنصت لنفسها أكثر مما تُنصت للضجيج من حولها. فالتغيير الذي يصدر من الداخل يشبه الشجرة: ينمو ببطء، لكنه يبقى. أما التغيّر الذي يُفرض من الخارج، فغالباً ما يزهر سريعًا.. ثم يذبل، دون أن يترك ظلاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*