مقال | حين يُدان الوجود بدل القصد

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في مساءٍ هادئ، عند الساعة السابعة والنصف، كان الشارع قد بدأ يستسلم لروتينه الليلي المعتاد، المطعم الصغير يتهيأ لإغلاق يومه الطويل، وأكواب الشاي تُحضَّر على عجل لزبائن يعرفهم المكان بالوجه لا بالاسم. بجوار المطعم، وقف عامل ورشة نجارة قريبة، لا يحمل أداة، ولا يرتدي زيّ عمل، ولا يوحي حضوره بأي نشاط يتجاوز عادته اليومية البسيطة: شراء كوب من الشاي والوقوف دقائق مع صديق مقرّب اعتاد اللقاء به في هذا الموضع.

ذلك المساء لم يكن يوم عمل بالنسبة له، كان يوم إجازته، بعد أسبوع طويل في ورشة الخشب، وجوده في المكان لم يكن استثناءً، بل تكراراً مألوفاً لعادة إنسانية بسيطة، يعرفها صاحب المطعم كما يعرفها الجيران، لا طلب خدمة، ولا تقديم عمل، ولا مقابل مادي. مجرد حضور عابر في فضاء اعتاده.

لكن عند تلك اللحظة، توقفت سيارة لجنة التفتيش، ترجل أعضاؤها وفق الإجراءات المعتمدة، راقبوا المشهد، وبدأت الأسئلة، عامل أجنبي يقف بجوار مطعم في وقت مسائي؛ مشهد كافٍ، في بعض الأحيان، لفتح باب الشبهة، الشبهة هنا لم تستند إلى فعل، بل إلى وجود مكاني قابل للتأويل.

سُئل العامل عن سبب تواجده. أجاب بهدوء، وأخرج أوراقه النظامية: بطاقة عمل سارية، عقد قائم، إفادة إجازة، وسجل خالٍ من المخالفات. قال ببساطة: “جئت أشتري شاياً، وهذا صديقي”، لم تكن هناك محاولة تبرير متكلفة، ولا رواية متناقضة، القصة كانت متسقة مع التوقيت، والمكان، والسياق.

في مثل هذه اللحظات، يُختبر جوهر إنفاذ القانون، فالقانون لا يُقاس فقط بقدرة الضبط، بل بقدرة التمييز، هل يُحاسَب الإنسان على وجوده، أم على قصده؟. وهل القرب المكاني من نشاط تجاري يُنشئ، بذاته مخالفة؟. النصوص القانونية في أصلها لا تُجرّم الحركة المجردة، ولا تعاقب العادة اليومية، بل تُحاسب الفعل حين يقترن بقصد اقتصادي ومنفعة واضحة.

التحدي الحقيقي في ملف العمالة السائبة لا يكمن في الحالات الصريحة، فهذه لا تحتمل الجدل: عمال يقدمون خدمات متكررة، يتقاضون مقابلاً، أو يعملون خارج إطار تصاريحهم بشكل منظم، هنا يكون الإجراء واجباً والحزم مطلوباً، إنما التحدي يظهر في المساحات الرمادية، حين يُختزل المشهد في صورة واحدة، ويُغفل السياق الأوسع.

المساعدة العابرة، أو الوقوف المؤقت، أو شراء كوب شاي، لا تُنشئ علاقة عمل، ولا تحقق كسباً اقتصادياً، ولا تندرج ضمن مفهوم العمالة السائبة كما قصده المشرّع، الخلط بين العمل والمعاونة، وبين النشاط الاقتصادي والتواجد الإنساني، يفتح باباً لتوسيع دائرة الاشتباه على حساب العدالة الإجرائية.

إنفاذ القانون الرشيد يفترض طرح أسئلة محددة أثناء الضبط: هل وُجد مقابل مادي؟. هل هناك تكرار أو تنظيم للفعل؟. هل تحققت منفعة اقتصادية فعلية؟. أم أن التواجد لا يتجاوز ظرفاً عابراً في مكان مألوف؟. الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة تحمي هيبة القانون أكثر مما يحميها التوسع في الافتراض.

في واقعة عامل النجارة، لم يكن هناك ما يثبت فعلاً مخالفاً، بل مجرد وجود فسّره الظرف على غير حقيقته، مثل هذه الحالات، حين لا يُراعى فيها السياق، تُربك حياة النظاميين، وتُضعف الثقة في عدالة التطبيق، دون أن تضيف شيئًا حقيقيًا لمعركة تنظيم السوق.

معالجة العمالة السائبة لا تكون بتكثيف الاشتباه، بل بتوجيه الجهد نحو بؤر الاستغلال الحقيقي، فالدولة تكسب حين يشعر الملتزمون أن القانون يميز بعدل، وأن الوثيقة النظامية تُؤخذ كقرينة أولى لا كدفاع متأخر، وبين الحزم والإنصاف، تُبنى الثقة، وهي الأساس الذي يقوم عليه أي نظام يُراد له أن يُحترم، لا أن يُخشى.

حين يُدان القصد لا الوجود، ويُحاسب الفعل لا الظن، يبقى القانون ميزاناً عادلاً، يحمي السوق، ويحفظ كرامة الإنسان، ويجعل الالتزام سلوكاً واعياً نابعاً من الثقة، لا خوفاً صامتاً عابراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*