د. ناصر بن علي الجهوري|
يمثّل التفكير الإبداعي المتقدّم ركيزة حيوية لنجاح المؤسسات العاملة في القطاع السياحي، في وقت تتسارع فيه المتغيرات وتشتد المنافسة، وتصبح الأساليب التقليدية في إدارة الموارد البشرية عاجزة عن مواكبة احتياجات سوق متغير. ومن هذا المنطلق، يبرز التفكير الإبداعي كقيمة مضافة ودعامة فكرية تعيد تشكيل طريقة فهم العنصر البشري وتطوير أدائه.
يتأسس هذا النهج على تبنّي أساليب غير تقليدية في قراءة قدرات الأفراد وتحفيزهم على الابتكار، بما يعزّز من قدرتهم على التكيف والمرونة، ويؤهلهم لإيجاد حلول فاعلة تتناسب مع التحديات التي يشهدها القطاع السياحي، سواء جاءت من ضغوط اقتصادية أو تحولات اجتماعية أو مستجدات تنظيمية. ومن هنا يتضح أن الإبداع لم يعد مهارة إضافية، بل أصبح ضرورة تشغيلية وإدارية في بيئة سياحية تتطلب حدًا أعلى من الجاهزية الذهنية.
وباعتبار الموارد البشرية رأس مالاً فكرياً واستراتيجياً يغدو الاستثمار في مهارات الطلاقة والمرونة والأصالة جزءاً من مسؤولية المؤسسة تجاه ضمان استدامتها وتميزها. ويتكامل هذا التوجه مع ما أثبتته البحوث الحديثة من أثر مباشر للتفكير الإبداعي في رفع جودة الأداء التكيفي للعاملين وفي إثراء الأعمال بأساليب مبتكرة ترفع من مستوى الكفاءة.
وتزداد أهمية هذا النهج في السياحة تحديداً، نظراً لكون القطاع لا يقدّم خدمة فقط، بل يصنع تجربة تعتمد على مهارة الإنسان وقدرته على الإبداع. ويدعم ذلك ربط الكثير من الدراسات بين التمكين الإداري وارتفاع السلوك الإبداعي للعاملين، إذ يسهم تشجيع المبادرة وتقدير الأفكار وفتح مساحات للتجريب في بناء بيئة عمل قادرة على إنتاج قيمة مضافة حقيقية.
كما أن التدريب يمثل امتداداً طبيعياً لهذا التوجّه، فبرامج تنمية الإبداع ومهارات حل المشكلات واتخاذ القرار تعد محرّكات مهمة لإطلاق الطاقات الكامنة لدى الأفراد. ويتعزز هذا الأثر حين تكون بيئة العمل ذات طبيعة مرنة ومنفتحة على الأفكار، بما يخفّف الجمود ويُرسّخ ثقافة تنظيمية تستوعب الابتكار وتعدّه جزءاً من هويتها وسبباً لتميزها.
وفي هذا السياق، لم يعد قياس أثر التفكير الإبداعي في إدارة الموارد البشرية السياحية مسألة نظرية أو تقديرية، بل بات قابلاً للرصد والتحليل عبر مؤشرات أداء واضحة تربط بين الإبداع المؤسسي والنتائج التشغيلية.
إذ تشير تقارير دولية متخصصة في السياحة وإدارة المواهب إلى أن المؤسسات السياحية التي تعتمد نماذج مرنة في إدارة رأس المال البشري، وتدمج الإبداع ضمن منظومات التوظيف والتدريب والتحفيز، تحقق معدلات أعلى في رضا الموظفين، وانخفاضاً ملحوظاً في دوران العمالة، وتحسناً ملموساً في جودة الخدمات.
ويتجلى هذا الأثر بصورة أوضح حين يُنظر إلى التفكير الإبداعي كجزء من النظام الإداري الشامل. فتبنّي آليات مثل فرق العمل متعددة التخصصات، وتصميم مسارات وظيفية مرنة، وتفعيل مختبرات الأفكار السياحية، يتيح للموارد البشرية المشاركة الفعلية في تطوير المنتج السياحي وصناعة التجربة، بدل الاكتفاء بدور تنفيذي تقليدي.
كما يسهم هذا التوجّه في تعزيز القدرة على التنبؤ بالتغيرات، من خلال توظيف الأفكار الإبداعية في تحليل البيانات، وتصميم تجارب مخصصة، وتقديم حلول مبتكرة تستجيب للفروقات الثقافية وتنوع الأسواق.
إن هذا التكامل بين التفكير الإبداعي والحوكمة الرشيدة للموارد البشرية يمكّن المؤسسات للانتقال من إدارة الكفاءات إلى صناعة العقول المبدعة، ويعزز قدرتها على تحقيق قيمة مستدامة تتجاوز حدود الأداء الآني إلى بناء ميزة تنافسية طويلة الأمد.
وقد أثبتت التجارب البحثية أن المؤسسات التي تدمج التفكير الإبداعي في سياساتها الاستراتيجية تمتلك قدرة تنافسية أعلى وقابلية أفضل للنمو والاستدامة، وهو ما ينعكس في تحسين الجودة والكفاءة، ورفع الرضا، وتعزيز ولاء العاملين، إضافة إلى جذب كفاءات جديدة تبحث عن بيئة عمل محفّزة ومبتكرة.
ورغم ذلك، يظل هذا المسار محفوفاً ببعض التحديات، كمقاومة التغيير أو غياب الثقافة الداخلية الداعمة للابتكار. غير أن الرؤية القيادية الواضحة، والتشجيع المستمر، وتبنّي السياسات المرنة كفيلة بتجاوز هذه العقبات وبناء ثقافة إبداعية متجذّرة قادرة على مواكبة التحولات المستقبلية التي تتجه نحو السياحة الذكية.
إن التفكير الإبداعي المتقدّم ليس خياراً تكميلياً في إدارة الموارد البشرية، بل هو ركيزة استراتيجية تفتح أمام المؤسسات آفاقاً جديدة للتميز، وتمنحها قدرة أعلى على المنافسة، وتضمن لها مكاناً راسخاً في مستقبل صناعة السياحة المتسارع.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة