د. قاسم بن محمد الصالحي|
قالوا في الحكمة الموروثة: «من قال لا أعلم فقد أفتى»، وقالوا أيضاً: «الكلمة أسيرتك ما لم تخرج، فإذا خرجت صرتَ أسيرها». وبين هاتين القاعدتين الأخلاقيتين تتحدد مسؤولية الفرد في المجتمع، لا سيما حين يتعلّق الأمر بتوجيهٍ أو قرارٍ عام، لم تتضح بعد فحواه، ولم تنكشف مقاصده، ولم تُستوعب مآلاته.
في زمن السرعة، لم يعد الخبر ينتظر الفهم، ولا القرار يُمهل التأمل. ما إن يُعلن توجيه أو يُتخذ قرار، حتى تتكاثر الأصوات، ويزدحم الفضاء العام بتأويلات متعجلة، وتحليلات بلا سند، وأحكام تُطلق قبل اكتمال الصورة. كأن السبق في القول أصبح قيمة بحد ذاته، وكأن التريث تهمة، أو الصمت عجز عن مواكبة الحدث.
غير أن التراث كان يرى الأمر على خلاف ذلك تماماً. فقد كان السكوت عند الحكماء ضربًا من الحكمة، وكانوا يعدّون العجلة في الرأي من دلائل الخفة، لا من أمارات الفطنة. وكانوا يقولون: «إذا تمّ العقل نقص الكلام»؛ لأن العقل المكتمل لا يستعرض نفسه، ولا يهرع إلى المنابر قبل أن يستوثق من المعنى.
إن القرار العام ليس جملة عابرة، ولا عبارة مبتورة عن سياقها، بل هو حصيلة توازنات دقيقة، وحسابات مركبة، ومصالح متشابكة، ومآلات مقدّرة بميزان لا يراه إلا من كان في موقع المعرفة أو الاطلاع. وحين يتصدى غير العارفين لتفسير ما لم يُحيطوا به علماً، فإنهم لا يسيئون إلى القرار فحسب، بل يسيئون إلى وعي المجتمع نفسه.
أخطر ما في هذا السلوك ليس الخطأ في التقدير، فالخطأ وارد في كل اجتهاد، بل الخطر في تحويل الظن إلى يقين، والتخمين إلى حقيقة متداولة. هنا تبدأ البلبلة، ويتراجع منسوب الثقة، ويختلط الرأي بالمعلومة، وتضيع الحدود بين النقد المسؤول والقول المجاني. وتتحول المجالس والمنصات إلى ساحات لإثبات الحضور، لا مساحات للفهم.
وقد نبّه الحكماء قديماً إلى هذه الآفة، فقالوا: «القول على غير علم يفسد أكثر مما يصلح». لأن الكلمة حين تُلقى بلا روية، لا تتوقف عند قائلها، بل تتناسل في الأذهان، وتتحول إلى قناعات، ثم إلى مواقف، وربما إلى انقسامات لا لزوم لها. وكم من تحليل متعجل فتح باب شك لا يُغلق بسهولة.
ليس المطلوب من أفراد المجتمع أن يكونوا خبراء في كل شأن، ولا محللين لكل قرار، بل المطلوب حدّ أدنى من أخلاق القول. أن نعرف متى نتحدث، ومتى نسأل، ومتى ننتظر. أن نفرّق بين الرغبة في الفهم، والرغبة في الظهور؛ فالأولى تبني وعياً جمعياً، والثانية تستنزفه.
إن المجتمعات الراسخة لا تُقاس بكثرة الأصوات، بل بجودة الكلام. ولا تُقاس بسرعة التفاعل، بل بعمق الفهم. لذلك، كان من الحكمة أن نعيد الاعتبار لقيمة التريث، لا بوصفه انسحاباً من الشأن العام، بل بوصفه مشاركة راشدة فيه. فالصمت المؤقت قد يكون أصدق تعبير عن المسؤولية حين يغيب العلم وتتشوش الرؤية.
وفي زمن تتسابق فيه التأويلات قبل الحقائق، تبقى الحكمة القديمة أكثر راهنية من كل خطاب مستعجل: العلم قبل القول، والفهم قبل الحكم، والتأني – حين يلزم – شجاعة لا يحسنها إلا العقلاء.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة