د. قاسم بن محمد الصالحي|
يدخل المواطن إلى مبنى رسمي لا بوصفه خصماً ولا متسولاً لحق، بل شريكاً في وطن يفترض أن مؤسساته وُجدت لخدمته، يحمل ملفًا أثقلته المراجعات، وتآكلت أطراف أوراقه من كثرة التنقل بين المكاتب، سنة أولى مضت، ثم دخلت المعاملة عامها الثاني، ولم يتغير شيء سوى ثقل الانتظار في الصدر.
الرد الأول كان مألوفاً حدّ الإحباط: الموضوع يتطلب زيارة ميدانية، جملة قصيرة لكنها فضفاضة، تُقال وكأنها نهاية الحديث، بينما هي في الحقيقة بدايته المؤجلة، زيارة ميدانية لا موعد لها ولا سقف زمني، ولا تفسير لِمَ تأخرت عامًا كاملًا دون أن تُنجز.
يحاول المواطن أن يختصر الطريق، فيطلب مقابلة المدير، لا يُقال له إن المدير لا يستقبل، ولا إن الوقت غير مناسب، بل العبارة الأكثر حياداً والأكثر تهرباً: ليس في مكتبه، وكأن المكتب هو المسؤول لا الإنسان الجالس خلفه.
تفضل، ما الأمر؟
يجيب بهدوء: الأمر عنده.
تفضل، اسرد لنا الأمر.
لكن كيف يُسرد أمرٌ إداريٌّ أُنجز ورقيًا منذ عامين؟. كيف تتحول معاملة مكتملة إلى قصة يُعاد سردها كل مرة، كأنها لم تُكتب ولم تُراجع ولم تُحفظ في النظام؟.
يمضي أكثر من ربع ساعة، والموظفة في مكتب المدير تقلّب الجهاز أمامها، لا استعجال لا توتر، فقط زمن يتسرب بلا اكتراث، الشاشة تصبح جداراً زجاجياً يفصل بين صاحب الحاجة ومن يملك نافذة القرار، ثم تأتي الخلاصة الباردة: تفضل، هذا رقم المعاملة.. رقم.. رقم فقط.
وكأن العامين الماضيين لم يكونا إلا خانة في قاعدة بيانات، يسأل المواطن سؤالاً بديهياً: ماذا أفعل به؟.
لا جواب شافياً، فالأمر ـ كما قيل منذ البداية ـ بيد المدير والمدير غائب، والموظفة ليست متخذة قرار، إذاً ما كل هذه الأسئلة؟. ما كل هذا السرد؟. ما جدوى الملف الكامل الذي قُدِّم؟. ولماذا يُستنزف وقت المراجع إن كانت النتيجة معروفة سلفًا؟.
هنا لا نتحدث عن إجراء إداري طبيعي، ولا عن ضغط عمل، بل عن تعطيلٍ ناعم، لا يرفع صوته، ولا يُغلق الباب، لكنه يفرغ المراجعة من معناها، تعطيل يُمارَس بأدب، ويُغلَّف بابتسامة، لكنه في جوهره إنكار لحق الزمن الإنساني، الزمن الذي يُهدر من عمر الناس، ومن أعصابهم، ومن ثقتهم بالمؤسسة.
المشكلة ليست في موظفة بعينها، ولا في مدير غائب في ذلك اليوم، بل في ثقافة إدارية ترى المراجع كأنه لا يفهم، أو لا يدرك التعقيدات، أو يبالغ في مطالبه، ثقافة تفترض ضمناً أن الغموض أيسر من الوضوح، وأن تأجيل القرار أقل كلفة من تحمّل مسؤوليته لكن الحقيقة واضحة، هناك من يدرك.. يدرك أن التعطيل واقع ويدرك أن الإجابة الملتبسة سياسة، ويدرك أن تحويل المواطن إلى رقم يخفف العبء النفسي عن متخذ القرار.
في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يُقاس الأداء بعدد النوافذ، بل بسرعة الحسم، ولا تُقاس المهنية بكثرة الأسئلة، بل بوضوح الإجابة، ولا تُبنى الثقة بعبارة “راجعنا لاحقاً”، بل بموعد محدد ومسؤول حاضر وقرار يُتخذ.
هذا العمود ليس شكوى فردية، بل صورة تتكرر بأسماء مختلفة، وملفات مختلفة، ومبانٍ مختلفة، صورة تقول إن الخلل لا يكمن في الأنظمة وحدها، بل في المسافة المصطنعة بين صاحب المعاملة وصاحب القرار، مسافة تُنهك المواطن وتُضعف هيبة المؤسسة وتؤسس لفجوة صامتة لا تُرى في التقارير.
المعاملة ليست رقماً.. والمواطن ليس عبئاً.. والوزارة ليست متاهة.. وحين يعود القرار إلى مكانه الطبيعي، مسؤوليةً لا عبئاً، سيعود الرقم إلى حجمه الحقيقي: تابعاً للإنسان، لا بديلاً عنه.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة