مقال| حين تتكلم الصورة.. ويقود التحوّل سلطان

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليست التحوّلات الكبرى تلك التي تُعلن في البيانات الختامية، ولا القرارات العميقة تلك التي تُصاغ في الجُمل الرسمية. في الدول التي تعرف وزنها وتدرك موقعها في الزمن، تُدار اللحظات المفصلية بالهدوء، وتُقرأ من الصورة أكثر مما تُقرأ من النص. وصورة اجتماع مجلس الوزراء الأخير كانت من هذا النوع؛ صورة لا تُخبرك بما قيل، لكنها تُفصح عمّا يُراد له أن يُفهم.

ترؤس صاحب الحلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم لاجتماع المجلس لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل تأكيداً على أن المرحلة ليست مرحلة تفويض روتيني، بل مرحلة إمساك مباشر بالبوصلة. فحين يتقدّم رأس الدولة إلى صدارة المشهد التنفيذي، فإن ذلك يعني أن التحوّل الجاري لم يعد مسارًا إدارياً فحسب، بل خياراً سيادياً محسوم الاتجاه.

في هذا المشهد، كان الغياب بقدر دلالة الحضور. فبعض الكراسي الفارغة لا تُشير إلى فراغ، بل إلى اكتمال دورة. في الدول المستقرة، لا تُغلق الصفحات دفعة واحدة، بل تُطوى بهدوء، بعد أن تكون قد أدّت دورها التاريخي. الغياب هنا لا يُقرأ كخلل، بل كجزء من انتقال محسوب من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن إدارة تُطمئن بالخبرة إلى إدارة تُطمئن بالنظام.

لكن المفصل الأوضح في الصورة كان طبيعة الحاضرين. لم يكن الاجتماع مكتملًا بالوزراء وحدهم، بل اتّسع ليضم رؤساء الأجهزة التي تمسك بمفاصل الدولة العميقة: النقد، الاستثمار، الرقابة، الضرائب، التخطيط، والمتابعة. هؤلاء لم يحضروا كضيوف شرف، بل كجزء من معادلة القرار. وهنا يتبدّل تعريف مجلس الوزراء من كونه ساحة سياسية، إلى كونه غرفة قيادة تنفيذية لدولة تعيد ترتيب أولوياتها.

الرسالة التي تبعثها هذه التشكيلة صريحة لمن يريد أن يقرأها: المرحلة القادمة تُدار بالأرقام قبل الخطابات، وبالانضباط قبل المجاملة، وبالاستدامة قبل التوسّع غير المحسوب. الاقتصاد لم يعد بنداً على جدول الأعمال، بل أصبح جدول الأعمال نفسه. والحوكمة لم تعد مفهوماً إدارياً مستورداً، بل لغة الحكم الجديدة في عالم لا يمنح الفرص مرتين.

في ظل هذا التحوّل، تتراجع السياسة خطوة إلى الخلف، لا لأنها تُهمَّش، بل لأنها أدّت دورها التأسيسي. فالسياسة في الدول الرشيدة لا تُقاس بحضورها الدائم، بل بقدرتها على الانسحاب في اللحظة المناسبة، لتترك المجال للإدارة الرشيدة أن تعمل بلا ضجيج. وما نراه اليوم هو انتقال واعٍ من دولة تُدار بالتوازنات إلى دولة تُدار بالكفاءة.

اللافت في المشهد أن هذا التحوّل لا يُقدَّم بوصفه قطيعة مع الماضي، ولا انقلابًا على التقاليد، بل امتدادًا منطقيًا لمسار بدأ منذ سنوات. فالتغيير هنا لا يُفرض، بل يُبنى؛ لا يُستعجل، بل يُراكَم. وهو ما يمنح الدولة قدرتها على العبور الآمن بين المراحل، دون أن تفقد ثقة مجتمعها أو احترام محيطها.

هكذا تُقرأ الصورة التي ترأسها السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، ليست اجتماعاً عادياً، بل علامة على دولة تعيد تعريف نفسها بهدوء. دولة اختارت أن تُحدّث أدواتها دون أن تُربك هويتها، وأن تُمسك بزمام التحوّل دون أن تُلوّح به في العلن. وحين تُدار السلطة بهذه الطريقة، يصبح الصمت لغة، وتغدو الصورة خطابًا، ويغدو الاستقرار فعلاً يومياً لا يحتاج إلى شرح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*