مقال | عُمان والهند.. شراكة تتقدّم بثقة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لا تأتي الاتفاقية الحرة الشاملة بين عُمان والهند كحدث اقتصادي عابر، بل كخطوة محسوبة في مسارٍ طويل يجمع البلدين عبر التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. فالهند، بثقلها السكاني والاقتصادي، وعُمان، بموقعها الاستراتيجي واستقرارها السياسي، تلتقيان اليوم عند نقطة تحول تعيد رسم اتجاه الرياح في المحيط الهندي ومنطقة الخليج.

بالنسبة لعُمان، تعني الاتفاقية فتح أبواب سوق هائلة بحجم قارة. وأكثر من ذلك، تمنح منتجاتنا ومشاريعنا الصناعية فرصة النفاذ إلى اقتصاد من أسرع اقتصادات العالم نمواً. وهذا بحد ذاته يعزّز ثقة القطاع الخاص، ويمنح رواد الأعمال فضاءً أوسع للتحرك، ويخلق بيئة اقتصادية أقرب إلى المعايير الدولية في التنافسية، والجودة، وقدرة التوسع.

في المقابل، تجد الهند في عُمان نافذة مستقرة إلى الخليج وشرق أفريقيا، وبوابة لوجستية لا ينافسها فيها أحد. موانئ الدقم وصلالة وصحار ليست مجرد محطات عبور، بل نقاط ارتكاز في منظومة تجارة عالمية تبحث عن مسارات آمنة وفعّالة.

يدرك المواطن العُماني أن التحولات الاقتصادية السريعة تحمل معها أسئلة مشروعة. لذلك من المهم التأكيد على أن الاتفاقية لم تُصغ بمعزل عن المصالح الوطنية، بل جاءت متناغمة مع رؤية عُمان 2040، ومع حاجة الاقتصاد لفرص أوسع دون الإضرار بالمنتج المحلي.

فالانفتاح المدروس لا يلغي الهوية الاقتصادية، بل يعزّز حضورها. والاتفاقية مع الهند تقوم على مكاسب متبادلة لا على تنازلات. مكاسب تُترجم إلى استثمارات، وظائف نوعية، وتطوير حقيقي للبنية اللوجستية والصناعية في البلاد.

زيارة الرئيس الهندي إلى مسقط ليست بروتوكولاً عابراً. إنها إعلان عملي أن الشراكة بين البلدين انتقلت من التفاهمات العامة إلى تنفيذٍ فعلي على الأرض. وهي رسالة تطمين للرأي العام بأن الاتفاقية تمضي في مسارٍ واضح، وأن عُمان شريك يُحترم ويُعوَّل عليه في الحسابات الاقتصادية الكبرى للهند.

هذه الزيارة تعكس احترام نيودلهي لمكانة عُمان في أمن المحيط الهندي، وتعزز قناعة مسقط بأن توسيع دائرة الشراكات هو الطريق الأمثل لمواجهة تحديات المستقبل، دون الدخول في محاور سياسية أو رهانات غير محسوبة.

ما يجري اليوم ليس مجرد توقيع اتفاق، بل بناء جسر جديد بين بلدين يجمعهما تاريخ طويل، وثقة متبادلة، ومصالح تتنامى. إنه جسر يضمن لعُمان مكانة متقدمة في سلاسل التوريد العالمية، ويمنح قطاعها الخاص فرصة نادرة للتوسع، ويعزز اقتصاداً أكثر قدرة على خلق الفرص وتحقيق النمو المستدام.

وهكذا تمضي عُمان بثباتٍ هادئ؛ توسّع خياراتها، وتفتح أبواباً جديدة، وتؤكّد أن الشراكة الذكية هي الطريق الأقصر إلى مستقبل أكثر اتزاناً وازدهاراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*