د. قاسم بن محمد الصالحي|
في الموروث العُماني، تتردد أمثال خفيفة المبنى، ثقيلة المعنى، تختصر حِكم الحياة في جملة واحدة. ومن تلك الأمثال ما يقال في بعض البيئات: «ربّوني يا عرّاب حتى أعرف أمٍّ وأب»؛ مثلٌ يُضمر عتابًا لمن كَبُر واستقام عوده ثم أنكر من ربّاه وسانده. واليوم، يمكن رفع هذا المثل مرآةً أمام بعض الشركات التي نشأت في حضن الدولة، وتغذت على استقرارها، وازدهرت بفضل بيئتها، ثم لما اشتدت أسواق العالم وتقلّبت ظروفه، اختارت أقرب الحلول وأسهلها: التسريح الجماعي.
لم تبدأ الحكاية من الشركات، بل من الدولة.
فالدولة – بكل جهازها العام – كانت العرّاب الذي مهّد الطريق منذ عقود، وبنى البنية الأساسية، وفتح الموانئ والمناطق الصناعية، ووفّر الحوافز والقروض والمناقصات التي صارت حجر الأساس لكثير من قصص النجاح في قطاع الأعمال. شركات كانت يوماً مجرّد أفكار تبحث عن فرصة، فإذا بها اليوم أسماء لامعة، تشارك في المؤتمرات الاقتصادية، وتتصدر تقارير الأداء، وتُعدّ من ركائز الاقتصاد الوطني.
كبرت الشركات. اشتد عودها. صارت حديث المستثمرين. لكن المحكّ ليس في الرخاء.. بل عند الارتجاج.
ومع أول موجة اضطراب اقتصادي عالمي، اختار بعض هذه الشركات طريقًا مختصرًا: خطاب «إعادة الهيكلة»، وقرار «ترشيد النفقات»، وإعلان «التسريح». ووجد العامل العُماني – الذي وقف في خطوط الإنتاج والإدارة والإنجاز سنوات طويلة – نفسه أمام ورقة لا تزن حتى جزءًا مما قدّمه، ولا تراعي مسؤولياته الأسرية، ولا تحترم مساهمته في بناء تلك الشركات من الداخل.
إن أزمة التسريح ليست مجرد أرقام على الورق، بل حكايات إنسانية تُقلب في البيوت، وصدمات تهز الأسر، وارتباك يصيب المجتمع. وهي قبل ذلك خلل في ميزان القيم؛ لأن بعض الشركات – التي كبرت بفضل الدولة والوطن – نسيت أن من وُلد في حضن الدولة، عليه ألّا يتنكر لأبنائها حين تشتد العاصفة.
لا أحد يقول إن الشركات لا تمر بضغوط، أو إن الأسواق لا تتقلب. هذا واقع. لكن الواقع لا يبرر أن يُعامل العامل كزائد يمكن الاستغناء عنه بمجرد هزة في الميزان المالي.
والحقيقة أن الخلل ليس في قرارات الشركات وحدها، بل أيضاً في بعض جوانب المنظومة القانونية التي لا تزال بحاجة إلى شدٍّ وتقوية وتحديث.
فالقانون الحالي يترك مساحات واسعة للتأويل، ويتيح لبعض الشركات تغطية التسريح تحت مسميات إدارية، ويُبقي العقوبات في مستويات لا تردع من قد يرى في التسريح حلًا سريعاً لتعظيم الربح. وهذا يستدعي إعادة نظر شاملة تُعيد التوازن المطلوب لسوق العمل، وتمنع الموظف من الوقوع بين مطرقة الشركات وسندان غياب الردع.
إن المرحلة تفرض على الجهات المعنية مراجعة عدة مسارات، من بينها: تشديد تعريف حالات التسريح ووضع ضوابط دقيقة لمنع التحايل، ورفع مستوى الحماية القانونية للعامل العُماني، خصوصًا في أوقات الارتجاج الاقتصادي. مع إلزام الشركات الكبرى – التي استفادت من الامتيازات الحكومية – بسياسات توظيف وحماية أعلى من الحد الأدنى، وإنشاء صندوق دعم العمال المسرَّحين يُمول بمساهمة القطاع الخاص والدولة، لتخفيف آثار مثل هذه الصدمات؛ الى جانب تعزيز الرقابة على قرارات التوظيف والتسريح، بما يمنع التعسّف ويضمن عدالة الإجراءات.
هذه الإجراءات لا تعادي القطاع الخاص، بل تحميه وتحمي المجتمع وتضمن استدامته. فالقطاع الخاص الحقيقي لا يبنى على قرارات سريعة تُربك الناس، بل على شراكة ممتدة بين الدولة والمجتمع والمؤسسات.
وحين نرفع اليوم ذلك المثل، فإننا لا نستدعيه من باب النوستالجيا، بل لأنه يختصر الحال بدقة: بعض الشركات كبرت وربحت واشتد عودها في حضن الدولة، ثم حين وقعت أول اهتزازة، نسيت من ربّاها، وتنكرت لمن كان جزءًا من نجاحها.
إن الوفاء ليس شعاراً يُكتب في تقارير الحوكمة، بل ممارسة تظهر حين تضيق الظروف. والشركات التي تريد أن تبقى راسخة في وجدان المجتمع قبل دفاتر السوق، عليها أن تتذكر أن الوطن الذي منحها فرصة النمو.. ينتظر منها الآن أن تقف مع أبنائه، لا أن تكون جزءاً من قلقهم.
هكذا فقط نضمن سوقاً مستقرة، وقطاعاً قوياً، وعاملاً يشعر أن القانون يحميه، وأن الشركات التي نما في ظلها لا يمكن أن تنكره عند أول ارتجاج.
هكذا يُكتب اقتصادٌ ناضج.. وحكاية وطن لا ينسى ولا يُنسى.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة