مقال | متحف الشخصيات العمانية.. ذاكرة وطن وإلهام أجيال

د. ناصر بن علي الجهوري|

dr.nasser.aljahwari@gmail.com

في ظلّ رؤية عُمان 2040 التي تسعى إلى تمكين الشباب وصون الإرث المعرفي العُماني، تبرز فكرة إنشاء متحف الشخصيات العُمانية كمبادرة وطنية رائدة تجمع بين أصالة التاريخ وروح الابتكار، وتفتح آفاقًا جديدة للإلهام الوطني والمعرفة المستدامة.

يهدف المتحف إلى أن يكون استثماراً في ذاكرة الوطن وطاقات أبنائه، يوثّق إسهامات العُمانيين في الطب والعلوم والفكر والفنون والعمارة والسياسة والثقافة وغيرها، ويسلّط الضوء على الشخصيات العُمانية المؤثرة التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية، ومنهم من نال اعترافاً عالمياً من منظمات دولية كاليونسكو.

ويمثل المشروع في جوهره جسراً بين الماضي والحاضر، يربط التراث العلمي العُماني بالمستقبل التقني الحديث، ويجعل من المعرفة قيمة مجتمعية حيّة تُحرّك التنمية والفكر والإبداع والابتكار. كما يتيح التفاعل والتجربة للزوّار من خلال خوض تجارب علمية ومعرفية مستوحاة من البيئة العُمانية وذات بعد عالمي، إضافة إلى جناح الإلهام والتمكين الذي يربط الزائر بقصص واقعية لعُمانيين صنعوا التغيير وألهموا الأجيال.

ولا يقتصر المتحف على العرض التوثيقي، بل سيكون منصة معرفية تفاعلية في فضاءات متكاملة تُعيد سرد التاريخ بأسلوب بصري حديث يوظّف التقنيات المتقدمة مثل الواقع المعزّز (AR)، والذكاء الاصطناعي (AI) ، والعرض ثلاثي الأبعاد (3D)، إلى جانب تقنيات الإضاءة والصوت ، لتمنح الزائر تجربة غامرة تجمع بين المتعة والتعليم والجمال والإبهار. ونسخ الكترونية حول المؤلفات والأعمال الفنية التي إجريت حول كل شخصية.

وسيركّز المتحف على الشخصيات العُمانية عبر العصور، من الأئمة والسلاطين والعلماء والمفكرين والمكتشفين والمثقفين وممن كان لهم أثر بارز في الفكر والعلم والنهضة، أمثال البحّار أحمد بن ماجد، والعالم الخليل بن أحمد الفراهيدي، والطبيب راشد بن عميرة، والشيخ نور الدين السالمي، وغيرهم من رموز الحضارة العمانية.

ولتعزيز روح الاستمرارية والتجديد، يُقترح أن يُضاف إلى المتحف كل ثلاث سنوات شخصية عُمانية معاصرة ذات إسهامات فكرية ووطنية بارزة، يتم اختيارها وفق معايير علمية دقيقة، لتكون قدوة حيّة للأجيال الجديدة وتجسيداً لروح النهضة المتجددة.

من الناحية التنظيمية، يمكن إدارة المتحف عبر مجلس أمناء وهيئة علمية متخصصة بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث العلمي، وبشراكات دولية مع مؤسسات مماثلة مثل متحف تاريخ العلوم في أكسفورد، لضمان جودة المحتوى والمعايير العالمية في التوثيق والعرض.

أما موقع المشروع، فيُقترح أن يكون بجوار متحف عُمان عبر الزمان أو ضمن مدينة السلطان هيثم، ليُشكّل جزءاً من منظومة ثقافية متكاملة تدعم السياحة المعرفية وتربط التراث بالتحول الرقمي، مع إطلاق برامج علمية وتربوية تشجع الطلبة والباحثين على الإسهام في تطوير محتواه واستدامته.

إنّ أهمية المشروع تتجاوز حدود العرض والتوثيق؛ بل إلى تحويله إلى طاقة معرفية حيّة تُغذي الحاضر وتبني المستقبل، والمساهمة في تعزيز الهوية الوطنية، ويفتح آفاقاً جديدة للسياحة الثقافية والمعرفية، بما يدعم التنويع الاقتصادي المستند إلى الإنسان والمعرفة. ويؤكد أن العُمانيين كانوا ولا يزالون من صُنّاع الفكر والإبداع، وأن تكريم رموز العلم والفكر هو تكريم لجوهر النهضة العُمانية الحديثة.

من جهة أخرى، يسهم المشروع في إيجاد فرص عمل نوعية، إلى جانب تحفيز الصناعات الإبداعية. كما سيعمل على تنشيط الحركة السياحية في المدن التي تحتضنه، وجذب العلماء والمهتمين والباحثين من مختلف دول العالم.

لقد آن الأوان أن تحتفي عُمان الماجدة بشخصياتها المؤثرة، وأن تُحوّل هذه الشخصيات البارزة إلى طاقة حيّة تُلهم الحاضر وتُشكّل مستقبل الغد. فالأمم التي تُكرّم عقولها وتمتدح صُنّاع حضارتها، تضمن لنفسها مكاناً ثابتاً وموثقاً في سجلّ الحضارة الإنسانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*