مقال | تشكيل الذائقة الجمالية والسلوك السياحي يبدأ من الأسرة

د. رجب بن علي العويسي|

تمثل الذائقة السياحية والصورة الذهنية التي يمتلكها الفرد حول السياحة نتاجاً لتراكمات تربوية وثقافية وتوجيهية تتشكل داخل الأسرة قبل أن تُكتسب من المدرسة والمؤسسات التنشئة الاجتماعية والاعلام أو التجارب الخارجية التي يعايشها الفرد مع أقرانه ومحيطه الخارجي.

إنَّ البعد الجمالي وتقدير مفردة السياحة كجزء اصيل في حياة الفرد واستقراره النفسي يبدأ من الأسرة؛ اللبنة الأول التي يتعلم فيها الفرد معنى الجمال، واحترام المكان، وتقدير التفاصيل، ومفردات الذوق والرقي في التعامل مع الطبيعة، وهي القيم التي تنعكس لاحقًا على ممارساته أثناء زيارته للمواقع السياحية داخل الوطن وخارجه

لذلك يقال بأن الأطفال الذين ينشأون في بيت يقدّر الذوق ويهتم بالتفاصيل الجميلة ويتعامل مع الأشياء بعناية، ودائم التغيير في المظهر الداخلي والخارجي وواجهة المنزل، سيكونون أكثر قدرة على تذوّق جماليات الأماكن السياحية، وأكثر حرصًا على عدم الإضرار بها، فهذه اللمسات المنزلية البسيطة—من تنظيم المساحات إلى الاهتمام بالزينة—تمثل مسارات تغييرية وسلوكا تعليميا وتدريبيا يعزز من بناء الوعي الجمالي.

إن الاهتمام بالتفاصيل الجميلة في حياة الاسرة وتعزيز وعي الأبناء بها وتوجيههم إلى المنافسة في تجسيد ملامحها في حياة المنزل، ركيزة مهمة لتعظيم السلوك السياحي الحضاري في حياة الأبناء، فالذي يحافظ على حديقة منزله الصغيرة وممتلكاته الخاصة – التي أطلقت شرارة الوعي ورسمت بوصلة التوجه عن قناعة والتزام ذاتي-، سيحافظ على المرافق العامة، وممتلكات الآخرين، ويتعامل باحترام مع المرافق السياحية.

وفي الوقت نفسه تؤسس هذه الذائقة السياحية داخل المنزل قيمة مضافة تتجه إلى تعظيم قيمة الذوق والرقي وحبّ الاكتشاف والتنقل والسفر، والتعرّف على المعالم الثقافية والمتاحف والمتنزهات، إذ أن نمو مثل هذه اللطائف في حياة الأبناء وتشجيع الاسرة عليها سيعزز فيهم قيمة السياحة باعتبارها نشاطًا ثقافيًا واقتصاديًا ومساحة للاحتواء العائلي وتغيير الروتين ورسم البهجة والأمان في حياة الاسرة.

أخيراً،  يبقى الاهتمام بالتفاصيل الجميلة في حياة الأبناء، كالمحافظة على النظافة، وتشجيع الأبناء على إضافة اللمسات الجمالية على المساحات الداخلية، وترتيب الغرف، وتهويتها، واحترام الممتلكات الخاصة وتقدير الجهد الوالدي ، ركيزة أساسية في بناء هذه الذائقة السياحية، وحين تنجح الأسرة في غرس قيم الجمال والوعي والنظام والمسؤولية والالتزام بقواعد العمل داخل الاسرة من ترتيب وتنظيم وحسن الاستخدام، فإنها تساهم في الارتقاء بالذوق العام والذائقة الحضارية للمجتمع التي تبدأ من بيئة المنزل والمحافظة على المساحات الخارجية مرتبة ومنظمة ونظيفة وخالية من أي تشوهات بصرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*