د. قاسم بن محمد الصالحي|
كان الفجر يتدلّى برفق فوق أسوار بهلاء حين وقف، الشاب العماني الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين، أمام القلعة العتيقة، يتأمل حجارتها كما لو يراها لأول مرة. لم تكن القلعة في ذلك الصباح معلماً أثرياً صامتاً؛ كانت أشبه بكتاب مفتوح يهمس له: “هنا يبدأ المستقبل.. من حجارة الأمس”.
في تلك اللحظة، أدرك “الشاب” أن التراث ليس قطعة من الماضي، بل طاقة كامنة تنتظر من يوقظها. تساءل بينه وبين نفسه: كيف يمكن لجيل كامل أن يمرّ على كنوز بلده كل يوم دون أن يفكر في تحويلها إلى فرص؟. ولماذا نظن أن المستقبل يُصنع فقط بعيداً عنا، بينما جذوره تمتد تحت أقدامنا؟.
انتقلت خطواته لاحقاً إلى وادي بني خالد، حيث ارتسمت الشمس على صفحة الماء كأنها رسالة واضحة: “السياحة ليست صوراً نلتقطها، بل اقتصاداً نصنعه”.
هناك فهم “الشاب”، وربما لأول مرة، أن رؤية عُمان 2040 ليست وثيقة حكومية تُقرأ، بل خريطة ينتظر من الشباب أن يتحركوا فيها.. فالسياحة – بطبيعتها، وجمالها، ورحابتها – ليست سوى بوابة واسعة لمن يملك الفكرة والجرأة، من يرغب أن يحوّل الهدوء الساحر إلى مشروع، والضيافة العمانية إلى تجربة تُروى، والطبيعة الخلابة إلى قيمة اقتصادية.
وفي مساء اليوم نفسه، عاد “الشاب” إلى قريته فوجد شيخاً من أهل المكان يجلس أمام بيت طيني قديم. سأله: – “لماذا يترك شباب القرية هذا الجمال ويبحثون عن الفرصة في مكان آخر؟.” ابتسم الشيخ وأجابه بحكمة هادئة: – “يا ولدي، الفرصة لا تأتي لمن ينتظرها.. الفرصة تأتي لمن يصنعها”.
كانت تلك العبارة كجرس أيقظه. أدرك أن الرؤية ترسم الطريق، لكن أحداً لن يمشيه بدلاً عن الشباب. التراث موجود، السياحة تنتظر، والبلد يفتح ذراعيه لمن يريد أن يبني لا لمن يراقب فقط.
في صباح اليوم التالي، لم يعد “الشاب” متفرجاً. رجع إلى القلعة، التقط الصور، جمع الأفكار، اتصل بأصدقائه، وبدأ مشروعه الأول: جولات تراثية يقدّمها شباب من أبناء المكان، لا ليحكوا قصة القلعة فحسب، بل ليكتبوا قصتهم هم أيضاً.
هذه الحكاية ليست سرداً روائياً، بل مرآةٌ تعكس واقعاً ينتظر من شبابنا أن ينتبهوا إليه: أن القطاعات التي تتحدث عنها رؤية 2040 – التراث والسياحة – ليست قطاعات بعيدة عنهم، بل هي فرص مفتوحة لمن يملك العزم والإبداع.
إن استنهاض دور الشباب في هذه القطاعات ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية. فالمستقبل لن يُبنى بالحياد، ولا بالتردد، ولا بانتظار “الوظيفة الجاهزة”، بل بجرأة المبادرة، وقوة الفكرة، وروح الانتماء.
ولعلّ هذا “الشاب” واحد منهم فقط.. لكن القصص الكبيرة تبدأ بشاب واحد قرر أن لا يمرّ على كنوز بلده مرور العابرين.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة